أولًا: تخريج الرواية:
الرواية التي أشرت إليها وردت في مسند أحمد وغيره، وفي بعض طرقها أن رجلًا كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يغير بعض الألفاظ في الكتابة، ثم ارتد وقال: أنا أعلمكم بمحمد… إلى آخر القصة التي ذكرتها في سؤالك، وفيه أنه كان يوافقه في تغيير بعض الكلمات لا سيما أسماء الله الحسنى.
وقد أوردها ابن كثير بتمامها في البداية والنهاية عن أنس (أنَّ رجلًا كان يكتب للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان قد قرأ البقرةَ وآلَ عمرانَ، وكان الرجلُ إذا قرأ البقرةَ وآلَ عمرانَ جَدَّ فينا -يعني عَظُمَ- فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُملي عليه (غفورًا رحيمًا) فيكتبُ (عليمًا حكيمًا) فيقول له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «اكتُبْ كذا وكذا، اكتُبْ كيف شئتُ» ويُملي عليه (عليمًا حكيمًا) فيقول: أَكْتُبُ (سميعًا بصيرًا)؟ فيقول: «اكتُبْ كيفَ شِئْتُ». قال: فارتدَّ ذلك الرجلُ عن الإسلامِ فلحق بالمشركينَ، وقال: أنا أعلمُكم بمحمدٍ، وإني كنتُ لا أكتبُ إلا ما شئتُ. فمات ذلك الرجلُ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ الأرضَ لا تقبلُه» قال أنسٌ: فحدَّثني أبو طلحةَ أنه أتى الأرضَ التي مات فيها ذلك الرجلُ فوجده منبوذًا فقال أبو طلحةُ: ما شأنُ ذلك الرجلِ؟ قالوا: قد دفنَّاه مرارًا فلم تقبلْه الأرضُ).
ولفهم ذلك لا بد من الجمع بينها وبين الرواية الأشهر والأصح في هذا الباب، وهي ما رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (كانَ مِنَّا رَجُلٌ مِن بَنِي النَّجَّارِ قدْ قَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَكانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حتَّى لَحِقَ بأَهْلِ الكِتَابِ، قالَ: فَرَفَعُوهُ، قالوا: هذا قدْ كانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ فَأُعْجِبُوا به، فَما لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فيهم، فَحَفَرُوا له فَوَارَوْهُ، فأصْبَحَتِ الأرْضُ قدْ نَبَذَتْهُ علَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا له، فَوَارَوْهُ فأصْبَحَتِ الأرْضُ قدْ نَبَذَتْهُ علَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا له، فَوَارَوْهُ فأصْبَحَتِ الأرْضُ قدْ نَبَذَتْهُ علَى وَجْهِهَا، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا) واللفظ لمسلم.
وعند البخاري: (كانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فأسْلَمَ، وقَرَأَ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرَانَ، فَكانَ يَكْتُبُ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكانَ يقولُ: ما يَدْرِي مُحَمَّدٌ إلَّا ما كَتَبْتُ له، فأمَاتَهُ اللهُ فَدَفَنُوهُ، فأصْبَحَ وقدْ لَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَقالوا: هذا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ منهمْ؛ نَبَشُوا عن صَاحِبِنَا فألْقَوْهُ، فَحَفَرُوا له فأعْمَقُوا، فأصْبَحَ وقدْ لَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَقالوا: هذا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وأَصْحَابِهِ؛ نَبَشُوا عن صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ منهمْ فألْقَوْهُ، فَحَفَرُوا له وأَعْمَقُوا له في الأرْضِ ما اسْتَطَاعُوا، فأصْبَحَ وقدْ لَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَعَلِمُوا أنَّه ليسَ مِنَ النَّاسِ، فألْقَوْهُ).
ثانيا: لا بد أن نعلم أن رواية الحديث ليست كرواية القرآن التي تكون نصية، فرواية الحديث أولا: تكون بالمعنى، وثانيا: قد تجمع عدة أحداث في سياق واحد مما قد يوحي بالتداخل.
ومثال ذلك مثلا حديث ابن عباس في صوم عاشوراء عند مسلم (سَمِعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ حينَ صامَ رسولُ اللَّهِ يومَ عاشوراءَ وأمرَ بصيامِهِ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ إنَّهُ يومٌ تعظِّمُهُ اليَهودُ والنَّصارى، فقالَ: «إذا كانَ العامُ القابَلُ صُمنا يومَ التَّاسعِ إن شاءَ اللَّهُ». قالَ: فَلَم يأتِ العامُ المقبلُ حتَّى توُفِّيَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم).
مع أن ابن عباس هو الذي روى (لَمَّا قَدِمَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ وجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عن ذلكَ، فَقالوا: هذا اليَوْمُ الذي أظْفَرَ اللَّهُ فيه مُوسَى وبَنِي إسْرَائِيلَ علَى فِرْعَوْنَ، ونَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا له، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: نَحْنُ أوْلَى بمُوسَى مِنكُمْ، ثُمَّ أمَرَ بصَوْمِهِ).
فالشاهد أن الراوي عن ابن عباس قد يفصل أحداثا أو يجملها على حسب الرواية وليس بالضرورة أن يكون هناك ترتيب زمني في كل رواية.
والراوي عن أنس في القصة المشار إليها جمع عدة أحداث في رواية واحدة، وهي: فضل حفظ البقرة وآل عمران، وكتابة أحد المرتدين للقرآن وغيره للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما وقع له بعد الردة.
ثالثا: أما الفهم الصحيح لهذا النوع من الروايات التي تختلط فيها الأحداث ويدخلها الإدراج أحيانا ففي ضوء المحكم المستقر.
وبيان ذلك هنا:
– أن المقصود بالكتابة ما دون القرآن من المراسلات والعهود وغيرها.
– أو أن الرجل توهم أنه غير شيئًا، وادّعى ذلك كذبًا بعد ردته لينال مكانة عند المشركين.
والدليل على ذلك أن القرآن نقل عن جمع من الصحابة ومع ما فيه من اختلاف في القراءات فليس لدينا هذه الأنواع من الخلاف في فواصل السور حتى نقول أنها نتجت عن تحريف هذا المرتد، فلو كان الزعم صحيحًا لبقيت الروايات.
رابعا: أما ما جاء في قوله (اكتُبْ ما شئتُ) فالضمير هنا يعود على النبي بالرفع، أي ما أمليته عليك، بدليل قوله: (وإني كنتُ لا أكتبُ إلا ما شئتُ) فلو كان النبي أذن له أن يكتب ما شاء فكيف يدعي أنه خدع النبي وغير ما يمليه عليه؟!
وعلى ذلك فلا يفهم أن النبي قد أذن له في التغيير أو أن هذه المواضع مما يتساهل فيه بالتبديل بين أسماء الله الحسنى لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 18]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا كما عُلِّمْتُمْ».
المفتي: د خالد نصر
الرواية التي أشرت إليها وردت في مسند أحمد وغيره، وفي بعض طرقها أن رجلًا كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان يغير بعض الألفاظ في الكتابة، ثم ارتد وقال: أنا أعلمكم بمحمد… إلى آخر القصة التي ذكرتها في سؤالك، وفيه أنه كان يوافقه في تغيير بعض الكلمات لا سيما أسماء الله الحسنى.
وقد أوردها ابن كثير بتمامها في البداية والنهاية عن أنس (أنَّ رجلًا كان يكتب للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكان قد قرأ البقرةَ وآلَ عمرانَ، وكان الرجلُ إذا قرأ البقرةَ وآلَ عمرانَ جَدَّ فينا -يعني عَظُمَ- فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُملي عليه (غفورًا رحيمًا) فيكتبُ (عليمًا حكيمًا) فيقول له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «اكتُبْ كذا وكذا، اكتُبْ كيف شئتُ» ويُملي عليه (عليمًا حكيمًا) فيقول: أَكْتُبُ (سميعًا بصيرًا)؟ فيقول: «اكتُبْ كيفَ شِئْتُ». قال: فارتدَّ ذلك الرجلُ عن الإسلامِ فلحق بالمشركينَ، وقال: أنا أعلمُكم بمحمدٍ، وإني كنتُ لا أكتبُ إلا ما شئتُ. فمات ذلك الرجلُ فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «إنَّ الأرضَ لا تقبلُه» قال أنسٌ: فحدَّثني أبو طلحةَ أنه أتى الأرضَ التي مات فيها ذلك الرجلُ فوجده منبوذًا فقال أبو طلحةُ: ما شأنُ ذلك الرجلِ؟ قالوا: قد دفنَّاه مرارًا فلم تقبلْه الأرضُ).
ولفهم ذلك لا بد من الجمع بينها وبين الرواية الأشهر والأصح في هذا الباب، وهي ما رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (كانَ مِنَّا رَجُلٌ مِن بَنِي النَّجَّارِ قدْ قَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَكانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حتَّى لَحِقَ بأَهْلِ الكِتَابِ، قالَ: فَرَفَعُوهُ، قالوا: هذا قدْ كانَ يَكْتُبُ لِمُحَمَّدٍ فَأُعْجِبُوا به، فَما لَبِثَ أَنْ قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فيهم، فَحَفَرُوا له فَوَارَوْهُ، فأصْبَحَتِ الأرْضُ قدْ نَبَذَتْهُ علَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا له، فَوَارَوْهُ فأصْبَحَتِ الأرْضُ قدْ نَبَذَتْهُ علَى وَجْهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا له، فَوَارَوْهُ فأصْبَحَتِ الأرْضُ قدْ نَبَذَتْهُ علَى وَجْهِهَا، فَتَرَكُوهُ مَنْبُوذًا) واللفظ لمسلم.
وعند البخاري: (كانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فأسْلَمَ، وقَرَأَ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرَانَ، فَكانَ يَكْتُبُ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكانَ يقولُ: ما يَدْرِي مُحَمَّدٌ إلَّا ما كَتَبْتُ له، فأمَاتَهُ اللهُ فَدَفَنُوهُ، فأصْبَحَ وقدْ لَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَقالوا: هذا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وأَصْحَابِهِ لَمَّا هَرَبَ منهمْ؛ نَبَشُوا عن صَاحِبِنَا فألْقَوْهُ، فَحَفَرُوا له فأعْمَقُوا، فأصْبَحَ وقدْ لَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَقالوا: هذا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وأَصْحَابِهِ؛ نَبَشُوا عن صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ منهمْ فألْقَوْهُ، فَحَفَرُوا له وأَعْمَقُوا له في الأرْضِ ما اسْتَطَاعُوا، فأصْبَحَ وقدْ لَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَعَلِمُوا أنَّه ليسَ مِنَ النَّاسِ، فألْقَوْهُ).
ثانيا: لا بد أن نعلم أن رواية الحديث ليست كرواية القرآن التي تكون نصية، فرواية الحديث أولا: تكون بالمعنى، وثانيا: قد تجمع عدة أحداث في سياق واحد مما قد يوحي بالتداخل.
ومثال ذلك مثلا حديث ابن عباس في صوم عاشوراء عند مسلم (سَمِعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ حينَ صامَ رسولُ اللَّهِ يومَ عاشوراءَ وأمرَ بصيامِهِ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ إنَّهُ يومٌ تعظِّمُهُ اليَهودُ والنَّصارى، فقالَ: «إذا كانَ العامُ القابَلُ صُمنا يومَ التَّاسعِ إن شاءَ اللَّهُ». قالَ: فَلَم يأتِ العامُ المقبلُ حتَّى توُفِّيَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم).
مع أن ابن عباس هو الذي روى (لَمَّا قَدِمَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ وجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ، فَسُئِلُوا عن ذلكَ، فَقالوا: هذا اليَوْمُ الذي أظْفَرَ اللَّهُ فيه مُوسَى وبَنِي إسْرَائِيلَ علَى فِرْعَوْنَ، ونَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا له، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: نَحْنُ أوْلَى بمُوسَى مِنكُمْ، ثُمَّ أمَرَ بصَوْمِهِ).
فالشاهد أن الراوي عن ابن عباس قد يفصل أحداثا أو يجملها على حسب الرواية وليس بالضرورة أن يكون هناك ترتيب زمني في كل رواية.
والراوي عن أنس في القصة المشار إليها جمع عدة أحداث في رواية واحدة، وهي: فضل حفظ البقرة وآل عمران، وكتابة أحد المرتدين للقرآن وغيره للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما وقع له بعد الردة.
ثالثا: أما الفهم الصحيح لهذا النوع من الروايات التي تختلط فيها الأحداث ويدخلها الإدراج أحيانا ففي ضوء المحكم المستقر.
وبيان ذلك هنا:
– أن المقصود بالكتابة ما دون القرآن من المراسلات والعهود وغيرها.
– أو أن الرجل توهم أنه غير شيئًا، وادّعى ذلك كذبًا بعد ردته لينال مكانة عند المشركين.
والدليل على ذلك أن القرآن نقل عن جمع من الصحابة ومع ما فيه من اختلاف في القراءات فليس لدينا هذه الأنواع من الخلاف في فواصل السور حتى نقول أنها نتجت عن تحريف هذا المرتد، فلو كان الزعم صحيحًا لبقيت الروايات.
رابعا: أما ما جاء في قوله (اكتُبْ ما شئتُ) فالضمير هنا يعود على النبي بالرفع، أي ما أمليته عليك، بدليل قوله: (وإني كنتُ لا أكتبُ إلا ما شئتُ) فلو كان النبي أذن له أن يكتب ما شاء فكيف يدعي أنه خدع النبي وغير ما يمليه عليه؟!
وعلى ذلك فلا يفهم أن النبي قد أذن له في التغيير أو أن هذه المواضع مما يتساهل فيه بالتبديل بين أسماء الله الحسنى لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 18]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اقرءوا كما عُلِّمْتُمْ».
المفتي: د خالد نصر
