<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>المعهد الدولي  للدراسات الإسلامية</title>
	<atom:link href="https://www.iiis.us/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://www.iiis.us</link>
	<description></description>
	<lastBuildDate>Wed, 17 Sep 2025 18:51:22 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=6.8</generator>

<image>
	<url>https://www.iiis.us/wp-content/uploads/2022/10/cropped-iiis_logo-32x32.png</url>
	<title>المعهد الدولي  للدراسات الإسلامية</title>
	<link>https://www.iiis.us</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>ابدأ بالموجود يُفتح لك باب المفقود</title>
		<link>https://www.iiis.us/%d8%a7%d8%a8%d8%af%d8%a3-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d9%8a%d9%8f%d9%81%d8%aa%d8%ad-%d9%84%d9%83-%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%82%d9%88%d8%af/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Scholar]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 17 Sep 2025 18:50:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.iiis.us/?p=7503</guid>

					<description><![CDATA[لكل حقٍّ حقيقة، والحقيقة لا تُعرف بالأماني ولا بالأحلام المؤجلة، بل تبدأ من الموجود لا من انتظار المفقود. فمن علّق نفسه بما لم يأتِ بعدُ ضاع عمره في الأوهام، ومن استثمر ما بين يديه – قليلًا كان أو كثيرًا – رأى البركة تتنزل عليه في كل خطوة. إنها سنّة الله في خلقه: ﴿لَئِنْ ‌شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾...]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
لكل حقٍّ حقيقة، والحقيقة لا تُعرف بالأماني ولا بالأحلام المؤجلة، بل تبدأ من الموجود لا من انتظار المفقود.
<br>فمن علّق نفسه بما لم يأتِ بعدُ ضاع عمره في الأوهام، ومن استثمر ما بين يديه – قليلًا كان أو كثيرًا – رأى البركة تتنزل عليه في كل خطوة.
<br>إنها سنّة الله في خلقه: ﴿لَئِنْ ‌شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].
 <br>البداية بالشكر على الموجود، والعمل به، هي بذرة الزيادة. فالطالب الذي ينتظر الكتب الكاملة أو البيئة المثالية لن يدرس أبدًا، بينما من يستفيد مما لديه من ورقة أو محاضرة يفتح الله له باب الفهم. والداعية الذي ينتظر المنابر الكبرى لن يتكلم أبدًا، أما من يحدّث أهله وأصدقاءه بما يعلم فقد بدأ مسيرة الدعوة. والتاجر الذي لا يدخل السوق إلا بعد رأس مال ضخم قد لا يدخل أبدًا، أما من يبيع بما معه اليوم فقد خطا الخطوة الأولى في طريق الرزق.
<br>الحقيقة إذن أن المفقود يولد من رحم الموجود، وأن أبواب الرزق والبركة والفتح لا تُطرق بالانتظار وإنما بالفعل. وما أكثر ما أضاع الناس أعمارهم في قول: &#8220;سوف&#8221; و&#8221;حين يتوفر&#8221; و&#8221;لو كان عندي&#8221;، وما أقلّ من جعل من الموجود قاعدةً يبني عليها.
<br>فلنغتنم ما بأيدينا، فهو الحقّ الذي سنُسأل عنه، وهو الحقيقة التي تبدأ منها كل البدايات.
 <br>ومن أخلص في الموجود فتح الله له أبواب المفقود، حتى يشهد بعينه وعد الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ ‌لَا ‌يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. 
<br>د خالد نصر
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الصبر الإستراتيجي: سلاح الأمة في معركة الوجود</title>
		<link>https://www.iiis.us/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%a8%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%ac%d9%8a-%d8%b3%d9%84%d8%a7%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b9%d8%b1%d9%83%d8%a9/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Scholar]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 01 Sep 2025 17:32:51 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.iiis.us/?p=7491</guid>

					<description><![CDATA[✦ المقدمة تواصل معي أحد الأحباب متسائلا: ماذا يحدث لهذه الأمة؟ ألا من نهاية لما نعيشه من مآسٍ يومية، بل على مدار الساعة؟ ما هذه المصائب التي تركت العالم وتجمعت في جسد هذه الأمة؟ ما هذا القهر الذي لا مثيل له في التاريخ، مذلة وهوان من الداخل والخارج على السواء؟ حكام وجيوش ليس لها شاغل...]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
✦ المقدمة
<br>تواصل معي أحد الأحباب متسائلا: ماذا يحدث لهذه الأمة؟ 
<br>ألا من نهاية لما نعيشه من مآسٍ يومية، بل على مدار الساعة؟
<br>ما هذه المصائب التي تركت العالم وتجمعت في جسد هذه الأمة؟
<br>ما هذا القهر الذي لا مثيل له في التاريخ، مذلة وهوان من الداخل والخارج على السواء؟
<br>حكام وجيوش ليس لها شاغل إلا استعباد الناس ونهب مقدراتهم، وعدو خارجي يتحكم في كل شيء بمن فيهم جلادونا؟
<br>عشرات الاسئلة المشابهة والتي تنتهي إلى لماذا؟ وإلى متى؟
<br>ومع اعترافي مقدما أن إجابة هذه التساؤلات وغيرها ليس عندي لأن جزءا كبيرا منها متعلق بحكمة الله تعالى وهي سر من أسراره، لو استطعنا استكناهه في كل أمر، فستسقط أهم فكرة في قضية الإيمان، حيث لا يكون فرق بين الخالق والمخلوق، حين يستويان في التقدير !
أقول:
<br>الأمم لا تعيش بالانتصارات العسكرية وحدها، ولا تنهض فقط بالسلاح والرصاص. بل إن التاريخ يعلّمنا أن الشعوب التي تعرف كيف تصبر هي التي تصنع النصر في النهاية. 
<br>إن الصبر ليس مجرد احتمال للشدائد، بل هو إدارة للزمن كجزء من المعركة. هو الإستراتيجية التي تجعل الأمة تُعيد بناء نفسها حين تُهزم، وتتحمل سنوات القهر حتى تنضج لحظة الانقضاض.
<br>وفي واقعنا العربي والإسلامي، حيث يطول الصراع مع المشروع الصهيوني المدعوم من قوى كبرى، لا بد أن نفهم أن الصبر ليس هروبًا ولا استسلامًا، بل هو سلاح إستراتيجي يُبقي الأمة واقفة على قدميها حتى لو سقطت مرات.
<br>✦ أولًا: الصبر في معناه العميق
<br>كثيرًا ما يُفهم الصبر في ثقافتنا على أنه حالة استسلام وانتظار، أو مجرد احتمال للبلاء دون فعل، لكن الحقيقة أن الصبر ليس نوعًا واحدًا، بل هو درجات متفاوتة. 
<br>هناك صبر عرضي يشبه التحمّل القسري، حيث يُجبر الإنسان على احتمال ما لا يملك دفعه، فيبقى الألم عبئًا على صدره لكنه لا يولّد حركة، ولا يفتح طريقًا، هذا النوع قد يحفظ الجسد لحظة، لكنه لا يصنع أمة ولا يبني حضارة.
<br>وفي المقابل هناك صبر فاعل، وهو اختيار واعٍ، تتحول فيه المحنة إلى وعي، والوقت إلى رصيد، والمعاناة إلى طاقة تغيير. 
<br>إنه الصبر الذي لا يكتفي بمواجهة الألم، بل يوظفه في صناعة التاريخ، وهذا هو الصبر الذي يتحدث عنه القرآن حين يربطه بالعمل والنصر والتمكين. ومن هنا ندرك أن الصبر ليس لحظة عابرة، بل رصيد متراكم، يختزن في وعي الأفراد والجماعات حتى يصير طاقة تاريخية قادرة على قلب الموازين.
<br>وهذا ما يفسّره القرآن حين يجعل الصبر شرطًا للتمكين، فيعرضه لنا على هيئة ثالوث متكامل. 
<br>أول الأمر هو التواصي بالصبر، كما في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127]. إنها البداية، حيث يُستحضر أن الصبر ليس طاقة بشرية محضة، بل هو معية من الله وعون لا ينقطع. 
<br>ثم تأتي المرتبة الثانية، حين يتحول الصبر إلى فعل في ميدان المواجهة: ﴿وإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120]. هنا يصبح الصبر قوة عملية تقف أمام كيد الأعداء وتبطل أثره. 
<br>أما المرتبة الثالثة فهي الثمرة، حين يكتمل التراكم وتتهيأ الشروط: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: 24]. وهكذا يظهر جليًّا أن الصبر ليس شعارًا أخلاقيًّا، بل مفتاح القيادة والتمكين.
<br>وفي السيرة النبوية نرى هذه المعاني ماثلة: فصبر مكة أنجب دولة المدينة، وصبر أحد رغم الهزيمة أنبت وعيًا جديدًا في الأمة، وصبر الحديبية على الشروط القاسية فتح أبواب مكة بعد عامين فقط. كلها شواهد تؤكد أن النصر ليس حدثًا عابرًا، وإنما حصيلة تراكم طويل.
<br>إذن: الصبر الإستراتيجي ليس أن ننتظر القدر، بل أن نُدير الزمن ونحوّله من عدو إلى حليف.




<br>✦ ثانيًا: درس التاريخ 
<br>من تأمل التاريخ يدرك أن الأمم لا تنهض بانفعال عابر، وإنما بتراكم صبر طويل. ففي مكة، لاقى المسلمون الأوائل من العذاب ما لا يطاق: بلال يُعذَّب في الرمضاء، وياسر وزوجته سمية يقتلان تحت السوط، والمؤمنون يحاصرون في الشعب حتى أكلوا أوراق الشجر. ومع ذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم باغتيالات ولا بحرب عصابات. لأنه كان يربي أصحابه على الصبر الإستراتيجي، ليصنع جيلًا لا ينفجر غضبًا ثم يخبو، وإنما يبقى صابرًا حتى لحظة التمكين. لم تكن ثلاثة عشر عامًا في مكة ضياعًا، بل كانت هي التي أنجبت رجال بدر والحديبية والفتح والقادسية واليرموك وأجنادين.
<br>وعندما سقطت القدس في أيدي الصليبيين عام 1099 م، سالت الدماء حتى روت شوارعها، وظنّ الناس أن المدينة ضاعت إلى الأبد. لكن الله قدّر أن يستغرق التحرير ثلاثة أجيال متعاقبة، من عماد الدين زنكي إلى نور الدين محمود ثم إلى صلاح الدين الأيوبي. كان نصر حطين وفتح القدس تتويجًا لصبر طويل، راكمته أجيال كاملة حتى أثمر النصر.
<br>والأمر نفسه رأيناه علينا في إسبانيا، حيث ظل الإسبان قرونًا تحت الحكم الإسلامي، ثم بدأت حركتهم من جيوب صغيرة في جبال الشمال بقيادة بلاي، حتى استمرت عملية الاسترداد ثمانية قرون كاملة، وانتهت بسقوط غرناطة. وهو مثال يذكّرنا أن الصبر ليس حكرًا على المؤمنين وحدهم، بل هو سُنّة تاريخية؛ من فهمها وانتفع بها انتصر، ولو كان عدوًّا.
<br>وفي العصر الحديث تتكرر القصة. في الصين ارتكبت اليابان مجازر بشعة في الثلاثينيات، أشهرها مذبحة نانجينغ، لكن الشعب الصيني واصل المقاومة حتى خرج اليابانيون مهزومين. وفي الهند عاش الناس قرنين تحت الاستعمار البريطاني، فصبروا على الثورات والمجاعات والقمع، حتى جاء جيل غاندي ونهرو ليكمل الطريق ويخرج الاستعمار. وفي فيتنام قدّمت الأمة مثالًا أسطوريًّا، حين تحمّلت عشرين عامًا من القصف بالنابالم والقتل الجماعي، لكنها لم تفقد صبرها الفاعل، فحوّلت الغابات والأنفاق إلى حصون، وخرجت أميركا منكسرة أمام صمود الفيتناميين.
<br>بعد الحرب العالمية الأولى خرجت ألمانيا منهكة، منهوبة، مقيدة بمعاهدة فرساي الثقيلة. بدت وكأنها انتهت من التاريخ. لكن الحقيقة أن الأمة الألمانية لم تُسحق، وإنما دخلت في مرحلة “فايمار”: ضعف، تضخم، بطالة، إذلال.

<br>لكن الزمن كان يعمل في صالحها:
<br>الحلفاء منهكون من الحرب.
<br>الاقتصاد العالمي مضطرب.
<br>الولايات المتحدة انسحبت إلى عزلتها.
<br>حين جاء هتلر، لم يخترع قوة من العدم، بل استثمر في هذه اللحظة التاريخية: أوقف دفع التعويضات، أعاد بناء الجيش، وحوّل الصبر الطويل للأمة إلى هجوم مباغت.
<br>صحيح أن مشروعه قاد لاحقًا إلى حرب مدمرة، لكن الدرس الأهم هو: لا هزيمة نهائية لأمة تعرف كيف تصبر وتبني قوتها بصبر إستراتيجي.
<br>هذه النماذج جميعها تكشف أن الصبر الفاعل ليس مجرد احتمال فردي، بل هو مشروع تاريخي تتوارثه الأجيال، حتى يتحول إلى نصر كبير.
<br>✦ ثالثًا: الصراع العربي الصهيوني – قراءة في ميزان القوى
<br>اليوم نعيش صراعًا يُشبه في بعض جوانبه مرحلة فايمار:
<br>الأمة العربية خرجت من هزائم كبرى (1948، 1967).
<br>هناك تبعية للسلاح والاقتصاد الأجنبي.
<br>هناك انقسام داخلي وتفكك سياسي.
<br>لكن في المقابل:
<br>العدو الصهيوني ليس قوة طبيعية، بل كيان مفروض بالقوة الخارجية.
<br>هو يعتمد على الدعم الأميركي والأوروبي.
<br>هو يعيش في محيط معادٍ ديموغرافيًّا وثقافيًّا.
<br>وكلما طال الزمن، زادت أزماته الداخلية، وتكشفت هشاشته.
<br>الدول العربية والإسلامية دول تاريخية، جذورها ضاربة في الأرض، عاشت قرونًا ونجت من الغزاة والمستعمرين، وستبقى ما بقيت الأمة. 
<br>أما إسرائيل فهي دولة وظيفية، لم تنشأ من عمق حضاري ولا من إرادة شعب طبيعي، بل وُجدت بقرار استعماري لتؤدي دورًا مؤقتًا. وشأن الدول الوظيفية أن تتلاشى مع الزمن، بخلاف الدول التاريخية التي تتجدد وتنهض من رقادها.
<br>قد تبدو إسرائيل للوهلة الأولى كالكلية الصناعية اللامعة، نظيفة الشكل، محكمة الصنع، يُدخلها الأطباء إلى جسدٍ منهك. يظنّون أن الجسد سيقبلها، وأنها ستؤدي وظيفتها كما لو كانت جزءًا منه. لكن ما ينسونه أن للجسد أسراره، وأن له مناعةً ترفض كل دخيل، وتلفظ كل غريب مهما بدا كاملًا.
<br>هكذا حال الأمة مع الكيان الصهيوني: زرعٌ غريب، لا يمتّ إلى نسيجها الحضاري والديني والتاريخي. قد يفرض نفسه بقوة الحديد والنار، وقد يظن أنه يؤدي وظيفة يحتاجها &#8220;الجسد المنهك&#8221;، لكنه في النهاية سيُرفض ويُلفظ. فالتاريخ –مثل الجسد– يملك جهاز مناعة لا يرحم الدخيل.
<br>لذلك لن تبقى إسرائيل في قلب هذه الأمة، لأن جذورها ليست من تربتها، ولا دمها من دمها. وما كان غريبًا طارئًا، فإن سنّة الله أن يزول ويموت داخل الجسد الكبير.
<br>فليست المعركة إذن بين قوة دائمة وضعف دائم، بل بين تاريخ ممتد وزرع طارئ، والتاريخ لا يرحم الطارئين.
<br>✦ رابعا: فلسطين وغزة نموذج الصبر الإستراتيجي
<br>غزة المحاصرة منذ أكثر من 20 سنة مثال حيّ على &#8220;الصبر الفاعل&#8221;:
<br>لم تنهَر تحت الحصار.
<br>طوّرت قدراتها العسكرية رغم المنع والرقابة.
<br>جعلت من صمودها علامة على أن هذا الشعب لا يُهزم.
<br>في كل مواجهة عسكرية، قد تخسر غزة بيوتًا وأرواحًا، لكنها تكسب شرعية الصمود، فيما يخسر العدو شرعية وجوده.
<br>هذا الصبر ليس انتظارًا سلبيًّا، بل هو تراكم للقوة، وبناء وعي، وإبقاء للمعركة مفتوحة.
<br>حتى لو عاد الجيش الصهيوني فاحتل غزة مرة أخرى، أو سوّاها بالأرض حجرًا حجرًا، وقتل القادة والمجاهدين، بل حتى العزل من النساء والأطفال والشيوخ، فإن التاريخ يقول كلمةً واحدة: لن يتمكّن ولن يبقى في هذه الأرض.
<br>كم من مدينة إسلامية عريقة دُمّرت عن بكرة أبيها! حلب مثلًا، سُويت بالأرض ثلاث مرات على يد التتار، حتى ظنّ الناس أنها لن تقوم لها قائمة. لكنها عادت، وها هي حلب اليوم ما زالت مدينةً حية، بينما ذهب التتار إلى مزبلة التاريخ.
<br>إنها سنّة الله في الأرض: الطارئ يزول، والأصل يبقى.
<br>هذه الأرض تنبت رجالًا ونساءً كما تنبت القمح والزيتون، كلما سقط جيل قام جيل آخر، كلما أُحرقت شجرة نبتت مكانها غابة.
<br>فلسطين أرض تاريخية، وإسرائيل دولة وظيفية، والوظائف عمرها قصير، أما التاريخ فسرمدي. فليُدرك العدو أن معركته ليست مع بشر فقط، بل مع الأرض والتاريخ والزمان، ولن يغلبها أبدًا.
<br>التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي لا تستسلم تنتصر في النهاية، مهما طال الزمن.
<br>العدو قد ينتصر في معركة، لكنه يخسر الحرب الكبرى إذا استمرت الأمة في صبرها. <br>فالمعركة ليست من يكسب اليوم أو غدًا، بل من يصمد قرنًا كاملًا.
<br>✦ الخاتمة
<br>يا أبناء هذه الأمة، تذكروا أن العدو لا يخاف من سلاحنا بقدر ما يخاف من إرادتنا. إن فقدنا الصبر فقدنا كل شيء، وإن صبرنا صبرًا فاعلًا فإن الزمن حليفنا.
<br>الصبر الإستراتيجي ليس استسلامًا، بل هو أذكى أشكال المقاومة.
<br>فلتكن فلسطين مدرستنا، ولتكن غزة دليلنا، ولنجعل من الزمن حليفًا لا عدوًّا.
<br>د. خالد نصر
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ضريبة التوحش: فرنسا نموذجًا</title>
		<link>https://www.iiis.us/%d8%b6%d8%b1%d9%8a%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%ad%d8%b4-%d9%81%d8%b1%d9%86%d8%b3%d8%a7-%d9%86%d9%85%d9%88%d8%b0%d8%ac%d9%8b%d8%a7/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Scholar]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 29 Aug 2025 08:08:08 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.iiis.us/?p=7487</guid>

					<description><![CDATA[التاريخ البشري لا يسير بخط مستقيم، بل يتأرجح بين لحظات مجدٍ وصعودٍ، وانكساراتٍ دامية تترك جروحًا عميقة في جسد الأمم. وإن كان التاريخ يُسجل للأمم ما أنجزته، فإنه أيضًا يسجل عليها ما دفعته من فواتير، وما غرسته من شواهد قبور. ومن بين التجارب التي تكشف هذه المفارقة تجربة فرنسا منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى...]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
التاريخ البشري لا يسير بخط مستقيم، بل يتأرجح بين لحظات مجدٍ وصعودٍ، وانكساراتٍ دامية تترك جروحًا عميقة في جسد الأمم. وإن كان التاريخ يُسجل للأمم ما أنجزته، فإنه أيضًا يسجل عليها ما دفعته من فواتير، وما غرسته من شواهد قبور. 
<br>ومن بين التجارب التي تكشف هذه المفارقة تجربة فرنسا منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين: دولة رفعت شعارات الحرية والعقل، لكنها اندفعت وراء نزعة التوسع والتوحش، فدفعت أثمانًا بشرية باهظة انعكست على ديموغرافيتها ومكانتها. إنها تجربة تختصر بعبارة واحدة: ضريبة التوحش.
<br>ونحن العرب لم نعانِ من عدو كما عانينا من فرنسا، بدءا من بوهيموند (أمير تارانتو النورماني) الذي كان من أبرز قادة الحملة الصليبية الأولى (1096-1099)، وشارك في مجازر رهيبة عند احتلال أنطاكية ثم القدس.
<br>وحتى مجازر 8 مايو 1945 (سطيف – قالمة – خراطة) حيث قُتل فيها أكثر من 45 ألف جزائري على يد القوات الفرنسية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وما بعدها من مذابح حرب الاستقلال التي أودت بحياة أكثر من مليون مسلم كما كان يسميهم الاستعمار الفرنسي في بلاغاته الحربية.
<br>أولًا: من الثورة إلى التوحش الداخلي:
<br>عندما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789، هزّت أركان أوروبا، وأعلنت بداية عصر جديد يقوم على مبادئ الحرية والمساواة والعقل، غير أن شعارات الثورة سرعان ما اصطدمت بواقع العنف والدم، فالمقصلة نصبت في الساحات العامة، وجرت حملات قمع عُرفت بعهد الإرهاب الثوري. 
<br>وفي الريف الغربي، شهد إقليم &#8220;فانديه&#8221; إبادة بشعة لمجرد تمرده على الحكومة الثورية، والتقديرات تشير إلى أن الثورة الفرنسية أودت بحياة ما يقارب نصف مليون إنسان بين قتلى الداخل وضحايا الحروب على الحدود.
<br>كان ذلك أول درس حيث دفعت فرنسا ضريبة باهظة نتيجة تحوّل الحرية إلى توحش؛ فالثورة التي رفعت راية الكرامة الإنسانية انتهت إلى أن تلتهم أبناءها، وتفتح الباب أمام قائد عسكري طموح سيجعل من الدم وقودًا لإمبراطوريته: نابليون بونابرت.
<br>ثانيًا: نابليون والإمبراطورية التي أكلت أبناءها:
<br>نابليون بونابرت حمل فرنسا إلى ذروة مجدها العسكري؛ جيوشه اجتاحت أوروبا، وأدخلت أفكار الثورة إلى فيينا ومدريد وروما وبرلين. لكنه صنع هذا المجد بوقود بشري رهيب؛ ففي ستة عشر عامًا من الحروب النابليونية، فقدت فرنسا أكثر من مليون ونصف المليون من جنودها، إضافة إلى مئات الآلاف من المدنيين.
<br>لقد تلاشت أجيال كاملة في جبهات روسيا وبروسيا وإسبانيا. وحين سقط نابليون في واترلو 1815، ترك خلفه بلدًا منهكًا، وحقولًا بلا شباب، وقرى ينعى بعضها بعضًا. الإمبراطورية التي صنعها سرعان ما تبخرت، لكن الدم الذي نزفه الفرنسيون ظلّ ندبة عميقة في جسد الأمة.
<br>ثالثًا: القرن التاسع عشر بين طموح واستنزاف:
<br>لم تتوقف فرنسا عن دفع ضريبة التوحش في القرن التاسع عشر، بل خاضت حرب القرم إلى جانب بريطانيا ضد روسيا (1853–1856)، وخسرت قرابة مائة ألف جندي، أكثرهم قضوا بالأمراض. ثم جاءت الحرب الفرنسية-البروسية (1870–1871) التي انتهت بكارثة: سقوط باريس، وإعلان الإمبراطورية الألمانية في قصر فرساي، ومقتل نحو مائة وثمانين ألف فرنسي.
<br>هذه الحرب كشفت الفجوة الديموغرافية المتزايدة: بينما كان الألمان يتكاثرون بسرعة، كانت فرنسا تئن تحت ثقل نزيفها البشري. ومنذ ذلك الوقت أخذت فرنسا تفقد موقعها كأكبر قوة سكانية في أوروبا الغربية، بعد أن كانت في مطلع القرن التاسع عشر تنافس كل العالم العربي عددًا.
<br>رابعًا: الحرب العظمى – ذروة الضريبة:
<br>لم يكن هناك امتحان أفظع لفرنسا من الحرب العالمية الأولى (1914–1918). ففي أربع سنوات فقط فقدت البلاد نحو 1.7 مليون قتيل، أي ما يقارب 10% من رجالها البالغين، فضلًا عن أكثر من أربعة ملايين جريح ومعاق.
<br>هذه الحرب لم تكن معركة حدود فحسب، بل كانت حرب استنزاف يومية. مدن فرنسية بأكملها نزفت رجالها في الجبهات. نصب تذكارية لا تزال حتى اليوم في القرى تحمل أسماء شباب لم يتجاوزوا العشرين. لقد كانت الحرب العظمى تجسيدًا حيًّا لفكرة &#8220;ضريبة التوحش&#8221;: كلما اندفعت الأمة في العنف، كلما أفرغت نفسها من قواها الحيوية.
<br>خامسًا: الحرب العالمية الثانية واستمرار النزيف:
<br>ما إن لملمت فرنسا جراحها حتى داهمتها الكارثة الثانية؛ اجتياح هتلر عام 1940 كشف هشاشة الدولة التي أنهكها الماضي، ورغم أن الاحتلال الألماني لم يدم طويلًا، فإن حصيلة القتلى الفرنسيين في الحرب العالمية الثانية بلغت نحو 600 ألف بين عسكريين ومدنيين.
<br>ولم ينته الأمر بانتهاء الحرب، ففي مرحلة ما بعد الاستعمار، وجدت فرنسا نفسها غارقة في حروب الهند الصينية (1946–1954) ثم الجزائر (1954–1962)، حيث فقدت ما يزيد على مائة ألف من جنودها. كانت هذه بمثابة الفصول الأخيرة في كتاب طويل من النزيف.
<br>سادسًا: من القوة السكانية إلى التراجع الديموغرافي:
<br>من يقرأ تاريخ فرنسا منذ 1789 يلاحظ أن ضريبة التوحش لم تكن مجرد دماء في الحروب، بل أثّرت على توازنها الديموغرافي؛ ففي عام 1800، كان عدد سكان فرنسا نحو 27 مليون نسمة، أي ما يعادل تقريبًا مجموع سكان العالم العربي كله آنذاك (23 مليونًا). لكن بعد قرنين، انقلب المشهد:
	<br>&#8211; فرنسا اليوم لا يزيد سكانها عن 67 مليون نسمة.
	<br>&#8211; بينما العالم العربي يقترب من نصف مليار نسمة.
<br>لم يكن هذا الفارق وليد الخصوبة وحدها، بل نتيجة مباشرة للنزيف الذي عرفته فرنسا؛ فالحروب المتواصلة، من الثورة إلى الجزائر، حرمت الأمة من تراكم سكاني طبيعي. وبذلك دفعت فرنسا ثمنًا باهظًا لانغماسها في التوسع الإمبراطوري والصراع الأوروبي.
<br>الخاتمة:
<br>التاريخ يعلمنا أن المجد المبني على الدماء لا يدوم؛ فرنسا دفعت ضريبة التوحش منذ ثورتها حتى حروبها الاستعمارية، أحرزت انتصارات باهرة، لكنها فقدت ملايين من أبنائها، وتراجعت ديموغرافيًّا أمام خصومها وحلفائها على السواء.
<br>اليوم: حين ننظر إلى خريطة السكان نجد المفارقة: فرنسا التي كانت توازي العالم العربي كله في القرن الثامن عشر، أصبحت اليوم مجرد جزء صغير أمامه. هذه النتيجة ليست مصادفة، بل هي ثمرة مباشرة لسياسات التوسع العسكري، والإيمان بأن القوة تصنع التاريخ حتى لو كان ثمنها الإنسان.
<br>إن ضريبة التوحش درس يتجاوز فرنسا إلى كل أمة: حين تُقيم قوتها على الدماء، فهي تكتب بيدها حكمًا بطيئًا على نفسها بالتراجع والانكماش أو حتى الفشل والانهيار.
<br>وإذا كانت فرنسا، بكل سعتها الجغرافية وعمقها الديموغرافي، قد دفعت ثمنًا باهظًا لمغامراتها التوسعية حتى انكمشت وتراجعت، فإن المشروع الصهيوني &#8211; الأصغر حجمًا والأضيق عمقًا &#8211; سيكون أشد عرضة لدفع ضريبة التوحش. 
<br>فرنسا كان لديها عشرات الملايين من السكان، ومع ذلك نزفت أجيالًا كاملة في حروبها حتى فقدت وزنها، فكيف بكيان لا يتجاوز سكانه اليوم بضعة ملايين محاطين بمئات الملايين من العرب والمسلمين؟!
<br> إن التوحش الذي تمارسه الصهيونية في فلسطين ليس علامة قوة، بل بداية نزيفٍ طويل لن يتحمله هذا الكيان الاستيطاني الصغير. وكما انتهى المجد الإمبراطوري الفرنسي إلى تراجع وانكماش، فإن التوحش الصهيوني -مهما طال- سيكتب نهايته بنفس القاعدة التاريخية: الأمم التي تؤسس وجودها على الدماء سرعان ما تنكمش أو تنهار في مواجهة ضريبة التوحش.
<br>د. خالد نصر 
<br>بوسطن أغسطس 2025
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>العلماء العاملون -ابن جُزَيّ الكلبي- نموذج</title>
		<link>https://www.iiis.us/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%85%d9%84%d9%88%d9%86-%d8%a7%d8%a8%d9%86-%d8%ac%d9%8f%d8%b2%d9%8e%d9%8a%d9%91-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%84%d8%a8%d9%8a-%d9%86%d9%85/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Scholar]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 27 Aug 2025 08:54:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.iiis.us/?p=7483</guid>

					<description><![CDATA[  يُعَدّ مفهوم &#8220;العالم العامل&#8221; من المفاهيم المحورية في التراث الإسلامي، إذ ارتبط العلم الشرعي في جوهره بالعمل الصالح والقدوة العملية، ولم يكن مقبولًا عند المسلمين أن يكون العالم مجرد ناقل للمعلومات أو مفسِّر للنصوص بمعزل عن واقع الناس وقضايا الأمة. وقد عُبّر عن ذلك في أقوال الصحابة والتابعين؛ فقال عبد الله بن مسعود: &#8220;تعلموا،...]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[

 
يُعَدّ مفهوم &#8220;العالم العامل&#8221; من المفاهيم المحورية في التراث الإسلامي، إذ ارتبط العلم الشرعي في جوهره بالعمل الصالح والقدوة العملية، ولم يكن مقبولًا عند المسلمين أن يكون العالم مجرد ناقل للمعلومات أو مفسِّر للنصوص بمعزل عن واقع الناس وقضايا الأمة. 
<br>وقد عُبّر عن ذلك في أقوال الصحابة والتابعين؛ فقال عبد الله بن مسعود: &#8220;تعلموا، تعلموا، فإذا علمتم فاعملوا. 
<br>وقال الحسن: &#8220;العالم الذي وافق علمه عمله&#8221;.
<br>وقال هلال بن العلاء: &#8220;طلب العلم شديد، وحفظه أشد من طلبه، والعمل به أشد من حفظه، والسلامة منه أشد من العمل به، ثم أنشد يقول:
<br>يموت قوم ويُحْيِي العلم ذكرهم &#8230; والجهل يُلْحِقُ أمواتا بأموات
<br> وقال سفيان الثوري: &#8220;إنما يُطلب العلم ليُعمل به، وقد كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يُرى أثره في خشوعه وزهده ولسانه وبصره ويده&#8221;.
<br>ومن بين العلماء الذين جسّدوا هذا المبدأ عمليًّا، يبرز الإمام المفسّر الفقيه محمد بن أحمد بن جُزَيّ الكلبي الغرناطي (ت 741هـ)، الذي جمع بين العلم الغزير، والتأليف الرصين، والوظائف الشرعية من قضاء وخطابة، ثم ختم حياته بالشهادة في ساحة القتال ضد أعداء الإسلام. 
<br>وهو بهذا يمثّل أنموذجًا واضحًا للعالم العامل، الذي يوظِّف علمه في خدمة الأمة، ويجعل من حياته رسالة متكاملة تجمع بين القلم والسيف، والفكر والموقف.


<br>أولًا: مفهوم العالم العامل في التراث الإسلامي:
<br>ارتبطت نهضة الأمة الإسلامية عبر تاريخها بالعلماء العاملين الذين لم يقفوا عند حدود التنظير، بل تجاوزوا ذلك إلى التطبيق العملي، وقد ورد في الحديث الشريف: «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه» [رواه الترمذي]. فجعل السؤال عن العمل بالعلم من أركان المحاسبة يوم القيامة.
<br>وقد ميّز علماء السلف بين العالم الحق والعالم غير العامل؛ فالأول هو من يصدّق قوله فعله، ويترجم علمه إلى سلوك عملي.
 <br>أما الثاني فيبقى أسير التناقض بين النظرية والتطبيق، وقد حذَّر منه العلماء بشدة؛ قال الإمام عليٍّ رضي الله عنه: &#8220;العلم لا يعدل العمل، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل&#8221;.
<br>إذن: فالعالم العامل هو الذي يتصف بثلاث صفات:
<br>العلم الراسخ: من حيث التضلّع في علوم الشريعة.
<br>العمل بالعلم: التزامًا فرديًّا وسلوكًا اجتماعيًّا.
<br>الموقف الشرعي: عبر النصح للأمة والجهاد بالكلمة والسيف.
<br>ثانيًا: التعريف بابن جُزَيّ الكلبي:
<br>نسبه ونشأته:
<br>هو محمد بن أحمد بن محمد بن جُزَيّ الكلبي الغرناطي، وُلد في غرناطة بالأندلس في أسرة علمية عريقة، كان أبوه قاضيًا وعالمـًا بارزًا، مما أتاح له بيئة تربوية مهيأة للعلم والتأليف. نشأ في ظل الحياة الأندلسية المزدهرة بالعلوم والفنون، ولكنه عاش أيضًا مرحلة التهديد الصليبي المتصاعد، بعد سقوط الحواضر الأندلسية الكبرى كطليطلة وقرطبة وإشبيلية وبطليوس وسرقسطة وغيرها في يد الرومي، ما جعله يجمع بين همّ العلم وهمّ الدفاع عن الأمة.
<br>شيوخه وتكوينه العلمي:
<br>تلقى ابن جُزَيّ علومه على يد كبار علماء غرناطة وغيرهم، فبرع في الفقه المالكي، والتفسير، وأصول الفقه، واللغة العربية، ومن أشهر شيوخه: والده القاضي أبو القاسم، والإمام أبو الحسن الشهير بابن جابر، وقد تميز منذ صغره بالذكاء الحاد والقدرة على التأليف.
<br>مؤلفاته:
<br>ترك ابن جُزَيّ عدة مصنفات مهمة، أبرزها:
<br>&#8211; التسهيل لعلوم التنزيل: تفسير جامع يجمع بين الرواية والدراية.
<br>&#8211; القوانين الفقهية: متن فقهي مقارن بين المذاهب، لا يزال مرجعًا في الجامعات الإسلامية.
<br>&#8211; تقريب الوصول إلى علم الأصول: متن في أصول الفقه سهل العبارة.
<br>&#8211; الأنوار السنية في الألفاظ السنية: كتاب في التصوف والسلوك.
<br>هذه المؤلفات تكشف عن موسوعية الرجل، وقدرته على تبسيط العلوم، وربط النظرية بالتطبيق.
<br>مناصبه:
<br>تولى ابن جُزَيّ الخطابة والقضاء في غرناطة، وكان مرجعًا للناس في الفتاوى والقضاء، يجمع بين المنبر والمحراب والكتاب.

<br>ثالثًا: ابن جُزَيّ الكلبي نموذجًا للعالم العامل:
<br>في العلم:
<br>أظهر ابن جُزَيّ قدرة فائقة على الجمع بين الدقة العلمية وسهولة الأسلوب؛ ففي تفسيره &#8220;التسهيل&#8221; نجده يوازن بين النقل عن السلف والتحليل العقلي، ويقدّم للناس تفسيرًا ميسرًا للقرآن الكريم. وفي &#8220;القوانين الفقهية&#8221; جمع آراء المذاهب في صياغة موجزة تسهّل على الطالب المقارنة، فهو بهذا قدّم العلم الميسّر الذي يخدم العامة والطلبة على السواء.
<br>ويقال: إنه ألّف كتاب التسهيل لعلوم التنزيل في سنوات اشتداد الخطر الصليبي على الأندلس، وكان يكثر فيه من الإشارات التربوية والعملية التي تبعث على الصبر والجهاد.
<br>في العمل والوظائف الشرعية:
<br>لم يكتفِ ابن جُزَيّ بالتأليف، بل تولى القضاء، وكان حريصًا على تحقيق العدالة بين الناس، وقد عُرف بصرامته في الحق، وحرصه على تبرئة ذمته أمام الله، كما كان خطيبًا مؤثرًا، يذكّر الناس بمسؤولياتهم الدينية والاجتماعية، ويعبّر عن قضايا الأمة في منبر الجمعة.
<br>في الجهاد والموقف العملي:
<br>ذروة تجلي &#8220;العالم العامل&#8221; عند ابن جُزَيّ كانت مشاركته في معركة طريف سنة 741هـ، التي وقعت بين المسلمين بقيادة أبي الحسن المريني من المغرب، وتحالف قشتالة وأوروبا؛ حين دعا السلطان أبو الحسن المريني علماء الأندلس للخروج مع الجيش إلى معركة طريف ضد النصارى، لم يتردد ابن جُزَيّ.

<br>وقيل: إنه حمل السلاح بنفسه، رغم مكانته كقاضٍ وخطيب ومفسّر. كان يرى أن واجبه لا ينتهي على المنبر أو في ساحة القضاء، أو أن يجاهد بالسنن كما يدعي بعض من ألف النفاق وكان من دعاة الأرزاق، بل يكتمل في الميدان حيث تلتقي الأمة بعدوها.
<br>وقد ذكر المؤرخون أنه فقد وهو يحرض الناس ويشحذ بصائرهم ويثبتهم يوم الكائنة واستشهد في تلك المعركة، وقيل: إن ولديه استشهدا معه أيضًا، فكان بيته كله بيت جهاد.
<br>البعد الأخلاقي:
<br>تميّز ابن جُزَيّ بصدق النية، والابتعاد عن التكسّب بالعلم أو التملق للسلطان. ورغم مناصبه، ظل قريبًا من الناس، يعلّم ويُبسط العلم ويُذكّرهم بالله، وهو ما جعل ذكره طيبًا بعد قرون.
<br>تولى ابن جُزَيّ منصب القضاء في غرناطة، وكان معروفًا بصرامته في الحق، وعدم قبوله التدخلات السلطانية في أحكامه،حيث تذكر بعض المصادر أنه ردّ شفاعة بعض الوجهاء في قضية نزاع مالي، وقال عبارته: &#8220;القاضي لا يملك إلا ما أنزل الله&#8221;.
ر<br>ُوي أنه حين عرض عليه أحد الأمراء مالًا جزيلًا مكافأة على خدمته في القضاء والخطابة، رفض أخذ شيء منه إلا بقدر راتبه المقرر.
<br>وقال: &#8220;إن المال إنما يصلح للجند، أما العلماء فزادهم الورع&#8221;.
<br>يقدم ابن جُزَيّ الكلبي درسًا بالغ الأهمية لأمتنا اليوم: أن العلم إن لم يقترن بالعمل ضاع أثره، وأن العالم إذا انفصل عن قضايا أمته تحول إلى مجرد موظف للسلطة أو صدى للماضي. وفي المقابل، فإن العالم العامل يعيش قضايا مجتمعه، ويترجم علمه إلى فعل، ويقف في وجه التحديات، ولو كلّفه ذلك حياته.
<br>إن دراسة شخصية ابن جُزَيّ الكلبي تكشف عن معنى عميق لمفهوم &#8220;العالم العامل&#8221;؛ حيث لم يكن العلم عنده ترفًا معرفيًّا، بل رسالة متكاملة تُعاش بالقول والفعل، وقد جسّد ذلك في حياته العلمية والقضائية والخطابية، ثم ختمها بالشهادة في ميدان الجهاد. وهكذا مثّل نموذجًا خالدًا للعالم العامل، الذي تحتاجه الأمة في كل زمان.
<br>فالعلماء العاملون هم الذين يترجمون العلم إلى حياة، ويجعلون من فتاواهم وكتبهم مواقف حيّة في وجه الباطل. وما أحوج أمتنا اليوم إلى استعادة هذا النموذج، في زمن تكاثر فيه &#8220;علماء السلطة&#8221; وقلّ فيه &#8220;العلماء العاملون&#8221;.
<br>د. خالد نصر

]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>غزة ما بين شلتوت والطيب: دفاع الأزهر ودفع السلطة</title>
		<link>https://www.iiis.us/%d8%ba%d8%b2%d8%a9-%d9%85%d8%a7-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%b4%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b7%d9%8a%d8%a8-%d8%af%d9%81%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%87%d8%b1-%d9%88%d8%af%d9%81/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Scholar]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 01 Aug 2025 12:45:39 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.iiis.us/?p=7471</guid>

					<description><![CDATA[  منذ نشأته، ظل الأزهر الشريف مؤسسة علمية وروحية تتجاوز حدود الدولة المصرية، وتحمل في خطابها همّ الأمة الإسلامية جمعاء، وفي قلب هذا الهم، ظلت القضية الفلسطينية، بما تمثله من مركزية وجهاد واسترداد حق مغتصب، حيث كانت هذه أبرز العناوين التي تصدّر بها الأزهر بياناته، وخطبه، ومواقفه. لكن المثير في مسار الأزهر الحديث هو قدرته...]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
 

 

منذ نشأته، ظل الأزهر الشريف مؤسسة علمية وروحية تتجاوز حدود الدولة المصرية، وتحمل في خطابها همّ الأمة الإسلامية جمعاء، وفي قلب هذا الهم، ظلت القضية الفلسطينية، بما تمثله من مركزية وجهاد واسترداد حق مغتصب، حيث كانت هذه أبرز العناوين التي تصدّر بها الأزهر بياناته، وخطبه، ومواقفه.
 <br>لكن المثير في مسار الأزهر الحديث هو قدرته على الاحتفاظ بموقفه الأخلاقي والديني من غزة وفلسطين، رغم وقوعه مرارًا في وضعية الصدام غير المعلن مع النظام السياسي المصري، خاصة حين يتبنّى الأخير مواقف براغماتية أو متواطئة مع العدو الصهيوني.
<br>في هذا السياق، يبرز اسمان يمثلان نموذجين مختلفين، لكنهما يتفقان في جوهر الانحياز إلى الحق: الشيخ محمود شلتوت (1893–1963) في زمن الناصرية، والشيخ أحمد الطيب (1946–) في الزمن الحالي. 
<br>الأول قاوم الترويض الناصري بصمت شامخ، والثاني واجه الحصار الإعلامي والضغوط الرسمية دون أن يتراجع عن نصرته لغزة.
 <br>في هذه الأسطر نسجل للتاريخ كيف دافع الأزهر عن غزة بكل ما يملك، رغم أن النظام السياسي كثيرًا ما كان في الجانب الآخر.
<br>أولًا: الأزهر وفلسطين – ثوابت لا تتغير:

<br>ارتبط الأزهر تاريخيًّا بالقضية الفلسطينية بوصفها قضية دينية ووجودية، لا مجرد صراع جغرافي. ومنذ النكبة عام 1948، شارك علماء الأزهر في المؤتمرات، والفتاوى، والمقاومة الفكرية، بل وحتى الميدانية، في مواجهة المشروع الصهيوني.
<br>ولم يكن دفاع الأزهر محصورًا في النصوص، بل كان يشمل:
<br>&#8211; فتاوى صريحة بوجوب قتال الصهاينة واعتبار فلسطين وقفًا إسلاميًّا لا يجوز التنازل عنه.
<br>&#8211; مؤتمرات وندوات أكاديمية منذ ثلاثينيات القرن العشرين لتفنيد المزاعم التوراتية حول الأرض.
<br>&#8211; إرسال قوافل إغاثة في لحظات ضعف الدولة أو تواطئها.
<br>وهكذا، ظل الأزهر صامدًا على ثوابته، حتى حين حاولت الدولة الحديثة تطويعه أو استغلاله سياسيًّا.
<br>ثانيًا: الشيخ محمود شلتوت – صوت الحق في زمن الترويض:

<br>تولى الشيخ محمود شلتوت مشيخة الأزهر سنة 1958، في ذروة تغوّل الدولة الناصرية ومحاولتها إحكام السيطرة على المؤسسات الدينية.
 <br>كان عبد الناصر قد بدأ مشروعه لتأميم الأزهر عبر &#8220;قانون 103 لسنة 1961&#8243;، الذي حوّله إلى جامعة تحت إشراف الدولة، وألغى استقلاله المالي والإداري، وهمّش دور العلماء التقليديين.
<br>ومع ذلك، كان شلتوت واحدًا من القلائل الذين حافظوا على مواقف مبدئية تجاه القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية؛ ففي خطبه وبياناته وكتاباته، أكّد مرارًا أن &#8220;الاعتراف بدولة صهيونية على أرض فلسطين هو خيانة لله وللإسلام&#8221;، وصرّح بأن القتال لتحرير الأرض المغتصبة واجب ديني لا تسقطه معاهدات ولا تواقيع سياسية.
<br>زيارة غزة: حين رأى الإمام الظلم بأمّ عينه:

<br>لم يكن موقف الشيخ محمود شلتوت من غزة نابعًا من تحليلات مكتبية أو فتاوى نظرية، بل كان ثمرة مشاهدة ميدانية مباشرة؛ فقد طلب من مدير مكتبه وسكرتيره الخاص الأستاذ أحمد نصار ترتيب زيارة إلى قطاع غزة، الذي كان آنذاك تحت الإدارة المصرية، وذلك ليتعرّف بنفسه على أحوال أهلها ومعاناة اللاجئين الفلسطينيين.
<br>سافر الإمام الأكبر، وتجوّل في القطاع بسيارة جيب وسيرًا على قدميه، والتقى الناس في بيوتهم ومخيماتهم، فرأى المشردين والجياع، والظلم المجسّد في حياة الفلسطينيين اليومية. وعند عودته، بدا مهمومًا على نحو لم يُر به من قبل.
وفي اليوم التالي، زاره وفد من أساتذة الجامعات الأميركية في منزله (حيث كان معتكفا في بيته بسبب قانون الأزهر)، فاستقبلهم الشيخ بكلمات خرجت من أعماق قلبه، وهو يخاطبهم قائلًا:
<br>&#8220;لقد زرت قطاع غزة، ورأيت الظلم مجسمًا، ورأيت المشردين في الفيافي والقفار، ورأيت الجياع والعرايا، ورأيت ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، إنها العنصرية الصهيونية التي أخرجتهم من ديارهم وجعلتهم كطائفة من الحيوانات&#8230; أنتم العلماء والأساتذة.. بلّغوا حكومتكم ما قلته لكم عما رأيت من جياع ومشردين سُلبوا أوطانهم وحُرموا حق الحياة الكريمة&#8230; قولوا لبلدكم.. بلد الحرية.. حرام أن يظل هؤلاء على هذا الحال، والعدو سائر في غيّه بلا رادع ولا وازع من ضمير، وإني أدعوكم لنصرة المظلوم من عسف الظالم في فلسطين السليبة الحبيبة&#8221;.
<br>ثالثا: مواقف الشيخ أحمد الطيب من غزة: الثبات في زمن المساومات:
<br>رغم اشتداد الضغوط الرسمية، وتزايد محاولات تطويع الخطاب الديني ليتماشى مع سياسة &#8220;السلام الدافئ&#8221;، فإن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ظل محافظًا على خطابه الأخلاقي الثابت تجاه ما يجري في قطاع غزة، مؤكدًا أن العدوان الصهيوني لا يُواجه بالحياد، بل بالموقف.
<br>في كل عدوان إسرائيلي على القطاع، منذ تسلّمه المشيخة، أصدر الطيب بيانات متتالية تؤكد حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، وتدين الجرائم بحق المدنيين، وتدعو الأمة الإسلامية والعالم الحر إلى نصرة غزة، ورفض الصمت المتواطئ. وقد جاء في إحدى كلماته:
<br>&#8220;غزة ليست مجرد أرض تُقصف، بل ضمير يُقصف كل يوم، والسكوت عن ذلك خيانة للإنسانية قبل أن يكون خيانة للدين&#8221;.
<br>تميّز خطاب الطيب باستخدام لغة إنسانية – شرعية مزدوجة، تُناشد الضمير العالمي، وتُذكّر المسلمين بواجباتهم العقدية، دون مجاملة للواقع السياسي المصري أو العربي. وفي مناسبات عدة، عبّر عن أسفه لصمت بعض القادة، قائلًا:
<br>&#8220;من يسكت عن قتل الأطفال، هو شريك في الجريمة، ولو تذرّع بالسيادة أو المصالح&#8221;.
<br>كما دعا إلى فتح المعابر الإنسانية، وأكّد أن: &#8220;القدس وغزة ليستا ملفّين دبلوماسيين، بل أمانة في أعناق المسلمين، حتى لو عجز الأزهر عن التأثير الميداني، فإنه لا يعجز عن البيان الذي يُبرئ الذمة، ويحفظ للحق كلمته&#8221;.
<br>لكن الموقف لم يكن بيانًا فحسب؛ فقد وجّه الطيب بإطلاق حملات دعم وإغاثة عاجلة لسكان القطاع، عبر لجنة &#8220;بيت الزكاة والصدقات المصري&#8221;، التابعة للأزهر، والتي أعلنت تخصيص ملايين الجنيهات لمشاريع الإيواء والعلاج والغذاء في غزة. كما أشرف على إطلاق حملات تبرع جماهيري، دعا فيها الشعب المصري إلى دعم إخوانهم المحاصرين، معتبرًا ذلك &#8220;فرض وقت لا نافلة&#8221;.
<br>وبالتعاون مع منظمات إغاثية موثوقة، حرص الأزهر على إيصال الدعم مباشرة إلى داخل القطاع، وقد شكّلت هذه المبادرات تحركًا نادرًا من مؤسسة دينية رسمية في مواجهة التخاذل السياسي.
<br>رابعًا: بين شلتوت والطيب – ثبات الموقف، وتغير أدوات التضييق:
<br>ما يثير التأمل أن الأزهر، رغم تغير النظام السياسي من ملكي إلى عسكري، ومن قومي إلى مهادن، ظل محافظًا –ولو جزئيًّا– على خطابه الأصيل تجاه فلسطين، لكن الفارق بين الأزهر في عهد شلتوت، والأزهر في عهد الطيب، يتمثل في أدوات التضييق والتحجيم.
<br>في الحالتين، كان شيخ الأزهر يمثل الضمير القومي والديني حين غابت الدولة أو تواطأت، وقد أظهر قدرة على قول &#8220;لا&#8221; حين قال الجميع: &#8220;نعم&#8221;، أو صمتوا.
<br>الخاتمة: حين يعجز السلطان، تتكلم العمامة:
<br>قد لا يملك الأزهر دبابات، ولا جيشًا، ولا معابر، لكن ما يملكه هو ما لا تملكه الأنظمة: الضمير الأخلاقي، والسلطة المعنوية، والقدرة على مخاطبة الشعوب باسم الله لا باسم المصالح.
<br>من شلتوت إلى الطيب، أثبت الأزهر أنه، رغم الترويض والتهميش، ما زال قادرًا على أن يكون صوتًا للمقهورين في غزة، وشاهدًا على خيانة الصامتين.
<br>وإذا كانت الدولة قد اختارت الحياد أو التحالف مع القاتل الحقيقي، فإن الأزهر، في أسوأ الظروف، لم يشارك في تبرير الجريمة، بل قال: &#8220;هنا غزة… وهنا الحق، وهنا الدم، وهنا الواجب&#8221;.
<br>د خالد نصر 







]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الأزهر بين عبد الناصر وهنري الثامن &#8211; ترويض المؤسسة الدينية</title>
		<link>https://www.iiis.us/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%87%d8%b1-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%b5%d8%b1-%d9%88%d9%87%d9%86%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%85%d9%86-%d8%aa%d8%b1%d9%88/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Scholar]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 01 Aug 2025 08:35:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.iiis.us/?p=7469</guid>

					<description><![CDATA[  شهدت علاقة الدولة بالمؤسسة الدينية عبر التاريخ توترات متكررة، تدور غالبًا حول من يمتلك السلطة النهائية على الضمير الجمعي والشرعية الرمزية. وفي هذا السياق، تبرز حالتان متباعدتان جغرافيًّا وزمنيًّا، لكنهما متشابهتان من حيث المنهج: الأولى في مصر منتصف القرن العشرين، حين سعى جمال عبد الناصر إلى &#8220;تحديث&#8221; الأزهر، والثانية في إنجلترا القرن السادس عشر،...]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[

 
شهدت علاقة الدولة بالمؤسسة الدينية عبر التاريخ توترات متكررة، تدور غالبًا حول من يمتلك السلطة النهائية على الضمير الجمعي والشرعية الرمزية. وفي هذا السياق، تبرز حالتان متباعدتان جغرافيًّا وزمنيًّا، لكنهما متشابهتان من حيث المنهج: الأولى في مصر منتصف القرن العشرين، حين سعى جمال عبد الناصر إلى &#8220;تحديث&#8221; الأزهر، والثانية في إنجلترا القرن السادس عشر، حين فصل هنري الثامن الكنيسة الإنجليزية عن روما. 
<br>كلتا الحالتين تعبّران عن محاولة السلطة السياسية ترويض مؤسسة دينية عريقة، كانت تملك استقلالًا معنويًّا وماديًّا يجعلها أحيانًا تقف موقف الندّ، لا التابع. هذا المقال يسعى إلى مقارنة هاتين التجربتين من زاوية الأدوات، والدوافع، والنتائج، لفهم كيف تتعامل الدولة الحديثة أو السلطة المطلقة مع الدين كمجال مؤسسي مستقل.
<br>أولًا: السياق السياسي والديني لكل حالة:
<br>عبد الناصر وبناء الدولة الحديثة:
<br>بعد ثورة يوليو 1952، شرع النظام الجديد بقيادة جمال عبد الناصر في إعادة بناء الدولة المصرية على أسس قومية واشتراكية، مع طموح لقيادة العالم العربي. في هذا السياق كان الأزهر مؤسسة ذات جذور تراثية وتأثير شعبي عميق، لكنه في الوقت نفسه لم يكن خاضعًا للسلطة السياسية، بل يتمتع بتاريخ من الاستقلال المالي (عبر الأوقاف) والعلمي. وقد رأى عبد الناصر أن تحديث الدولة يستدعي إخضاع المؤسسات الدينية للرقابة والتنظيم، بما ينسجم مع الخطاب الثوري للدولة الجديدة.
<br>هنري الثامن والصراع مع روما:
<br>في إنجلترا القرن السادس عشر، كانت الكنيسة الكاثوليكية تخضع للبابا في روما، وتمتلك ثروة هائلة ونفوذًا اجتماعيًّا وسياسيًّا. نشأ الخلاف بين الملك هنري الثامن والكنيسة حين رفض البابا منحه الإذن بتطليق زوجته كاثرين من أراغون. غير أن الخلاف لم يبقَ شخصيًّا، بل تحوّل إلى مشروع سياسي تمخض عنه الانفصال الرسمي لكنيسة إنجلترا عن روما، وتحوّل الملك إلى &#8220;رئيس أعلى&#8221; للكنيسة الوطنية.


<br>ثانيًا: الأدوات القانونية والإدارية للترويض:
<br>قانون تطوير الأزهر: 
<br>في عام 1961، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر القانون رقم 103، المعروف بـ&#8221;قانون تطوير الأزهر&#8221;، والذي مثّل تحولًا جذريًّا في طبيعة المؤسسة الأزهرية من حيث بنيتها التعليمية ومرجعيتها الدينية وعلاقتها بالسلطة التنفيذية. فقد تم بموجب هذا القانون تحويل الأزهر إلى جامعة حديثة تضم إلى جانب الكليات الشرعية كليات مدنية مثل الطب والهندسة والتجارة، في إطار ما سُمّي بـ&#8221;التحديث المؤسسي&#8221;. كما أُخضع تعيين شيخ الأزهر لقرار رئيس الجمهورية، بعد أن كان يُنتخب أو يُختار من قِبل العلماء، مما أنهى الاستقلال التقليدي للمشيخة. وأنشئ &#8220;مجمع البحوث الإسلامية&#8221; ليكون جهازًا رسميًّا يتولى الإفتاء والبحث بدلًا من الهيئات العلمية الأزهرية القديمة. كما تم تأميم الأوقاف الأهلية التي كانت تموّل الأزهر وضمّها إلى وزارة الأوقاف، الأمر الذي أدّى إلى فقدان المؤسسة استقلالها المالي والإداري.
<br>قوانين هنري الثامن وإعادة تشكيل الكنيسة:
<br>في عام 1534، أصدر البرلمان الإنجليزي &#8220;قانون السيادة الملكية&#8221;، الذي أعلن فيه الملك هنري الثامن نفسه رئيسًا أعلى للكنيسة الإنجليزية، منهِيًا بذلك التبعية الدينية والتشريعية للبابا في روما. وقد تبع هذا القانون إجراءات عملية واسعة، تمثلت في مصادرة أراضي الكنيسة وأديرتها وتحويلها إلى ممتلكات تابعة للتاج، وطرد الأساقفة الموالين للبابوية وتنصيب رجال دين يدينون بالولاء للملك، كما تم حظر أي تواصل مع البابا، واعتُبر الولاء له خيانة عظمى يُعاقب عليها القانون الملكي.




<br>ثالثًا: الدوافع العميقة  بين الإصلاح والسيطرة:
<br>عبد الناصر: هندسة الدولة من الأعلى:
<br>كانت دوافع عبد الناصر معقدة: فمن جهة، أراد تحديث الأزهر إداريًّا وعلميًّا، ودمجه في مشروع الدولة الحديثة. ومن جهة أخرى، كان يخشى من المؤسسات الدينية التي قد تنافس الدولة في التأثير على الجماهير، خصوصًا بعد صدامه العنيف مع جماعة الإخوان المسلمين عام 1954. ومن ثم، مثّلت &#8220;إعادة هيكلة الأزهر&#8221; خطوة في سبيل ضبط الفتوى، وتوجيه الخطاب الديني بما يخدم رؤية الدولة.
<br>هنري الثامن: السلطة الدينية والشرعية الشخصية:
<br>بدأ الخلاف بين هنري الثامن والكنيسة بدافع شخصي –الطلاق– لكنه سرعان ما توسّع إلى نزاع سياسي حول السيادة. رأى هنري أن البابا يهدد سلطته، وأن الكنيسة تُمثل دولة داخل الدولة. ولذلك، لم يكن مشروعه مجرد &#8220;إصلاح كنسي&#8221;، بل إعادة تعريف العلاقة بين الدين والسيادة، حيث لا مكان لسلطة عليا فوق الملك.
<br>رابعًا: التربص برأس المؤسسة الدينية: من شلتوت إلى وولسي ومور:
<br>تتجلى ملامح &#8220;ترويض المؤسسة الدينية&#8221; في لحظات التوتر الشخصي والسياسي بين الحاكم وزعيم المؤسسة الدينية، حيث لا يكفي الإصلاح المؤسسي وحده لضمان السيطرة، بل لابد من إخضاع القيادات ذات الشرعية الرمزية أو الكاريزما العلمية، وقد تجلت هذه الديناميكية بوضوح في حالتي مصر الناصرية وإنجلترا التودورية.
<br>الإمام الأكبر محمود شلتوت: الإقصاء الصامت:
<br>مثّل الإمام محمود شلتوت شخصية علمية إصلاحية ذات حضور مؤثر في العالم الإسلامي، وجاءت مشيخته في لحظة مفصلية مع صعود المشروع الناصري، وقد شعر عبد الناصر، الذي كان حريصًا على احتكار الرمزية الوطنية، أن حضور شيخ الأزهر ينافسه زعامةً وهيبة، خاصة بعد حادثة شهيرة أثناء زيارته إلى العاصمة الإندونيسية جاكرتا عام 1961، حيث حظي شلتوت باستقبال شعبي ورسمي كبير فاق ما ناله الرئيس نفسه، ويُروى أن عبد الناصر أمر بإعادة شلتوت إلى القاهرة فورًا، في رسالة سياسية غير مباشرة.
<br>في أعقاب ذلك، تسارعت خطوات تقليص سلطة المشيخة، وتُوّجت بإصدار قانون 103 لسنة 1961 الذي دمج الأزهر إداريًّا وماليًّا في الدولة. حاول الشيخ شلتوت أن يقاوم هذه التغييرات بصمت العالم، لكنه حين وجد أن مهمته أُفرغت من مضمونها، قدّم استقالته في مذكرة جريئة إلى الرئيس ورئيس الوزراء، قال فيها:
<br>&#8220;أجد نفسي أمام واحد من أمرين: إما أن أسكت على تضييع أمانة الأزهر، وهو ما لا أقبله على ديني وكرامتي، وإما أن أتقدّم آسفًا&#8230; بطلب إعفائي من حمل هذه الأمانة&#8230;&#8221;
<br>وبعد استقالته في أغسطس 1963، اعتزل الشيخ الحياة العامة، وتوفي بعد أشهر، وقد صار رمزًا لفكرة الاستقلال العلمي في وجه التسييس.
<br>الكاردينال وولسي: سقوط الحظوة:
<br>في إنجلترا، كان الكاردينال توماس وولسي الذراع الأقوى للملك هنري الثامن في إدارة الشأنين الديني والسياسي، ووسيطه لدى البابا، لكن حين فشل في إقناع روما بإبطال زواج الملك، وجد نفسه في مواجهة غضب العرش. أُقيل من مناصبه، وصودرت أملاكه، واتُّهم بالخيانة، وكان في طريقه إلى المحاكمة لولا أنه توفي قبل ذلك.
<br>يمثل وولسي نموذجًا لسقوط رجل الدين الذي تعارضت ولاءاته بين سلطة روحية عليا (البابا) وسلطة دنيوية مطلقة (الملك).
<br>توماس مور: من الخلاف الصامت إلى الإعدام العلني:
<br>أخطر من ذلك، ما وقع لخليفة وولسي، المفكر والحقوقي المعروف توماس مور، الذي تولّى منصب مستشار الملك بعد ولسي على أساس أنه بيروقراطي تقليدي، لكنه أيضا رفض الاعتراف بشرعية قانون السيادة الملكية، كما رفض الاعتراف بزواج الملك من آن بولين. صمته الرافض كان كافيًا لمحاكمته بتهمة الخيانة. وفي عام 1535 أُعدم بقطع الرأس، وقال أثناء إعدامه:
<br>&#8220;أنا خادم صالح للملك، لكني أولًا خادم لله&#8221;.
<br>يمثل مور الذروة الدرامية لتوتر الدين والسيادة، إذ لم يعد الصمت مقبولًا، بل صار الاختلاف جريمة تستوجب القتل.
<br>في كل الحالات، لم يُغفر لرجل الدين امتلاكه ضميرًا مستقلًا أو مرجعية تتجاوز حدود السلطة الزمنية.
<br>نمط مكرّر: تصفية الرؤوس لا المؤسسات:
<br>تشير هذه الوقائع إلى أن مشروع ترويض المؤسسة الدينية لا يستهدف هياكلها التنظيمية فحسب، بل يمتد إلى رموزها الفكرية والروحية، حيث يبدأ الحاكم غالبًا بإزاحة الرأس القيادي للمؤسسة قبل إعادة تشكيل بنيتها؛ فقد تم تهميش الشيخ محمود شلتوت بعد أن مثل صوتًا مستقلًّا داخل الأزهر، في حين تعرض الكاردينال وولسي للإذلال السياسي بعد فشله في تنفيذ إرادة الملك هنري الثامن، وانتهى الأمر بالمفكر توماس مور إلى الإعدام بعد رفضه الاعتراف بسيادة الملك الدينية. 
<br>هكذا يتكرّر النمط ذاته: حين يعجز النظام عن إخضاع المؤسسة بأكملها، فإنه يبدأ بتصفية القيادة، لا بالجدل، بل بالإقصاء، وربما بالعقوبة الدموية.
<br>وتشير هذه الوقائع أيضا إلى أن الرأس الديني، مهما بلغ من الاعتدال والولاء، يصبح عبئًا حين يكتسب شرعية مستقلة عن الحاكم، ما لم يتحول إلى مجرد تابع وظيفي. وأن ترويض المؤسسة يبدأ غالبًا من قمتها.
<br>خامسا: النتائج على المؤسسة الدينية:
<br>الأزهر بعد الترويض:
<br>بعد صدور قانون تطوير الأزهر عام 1961، فقدت المؤسسة الكثير من استقلالها، خاصة فيما يتعلق بالتعيينات القيادية وتمويلها الذاتي، إذ أصبحت خاضعة للسلطة التنفيذية من حيث التوجيه والموازنة. ونتيجة لذلك، أصبح الخطاب الديني الصادر عنها أكثر انسجامًا مع توجهات الدولة القومية في تلك المرحلة، وتراجعت هيبة الأزهر التقليدية لصالح مؤسسات مستحدثة أُنشئت لتكون أذرعًا فكرية رسمية. 
<br>ومع ذلك، ظل الأزهر محتفظًا بجزء من رمزيته الدينية والتعليمية، وظلت فيه بقايا من الاستقلال الفكري، وبدأت تظهر بوادر لاستعادة هذا الاستقلال في العقود اللاحقة، لا سيما بعد ثورة 2011، التي أعادت طرح أسئلة العلاقة بين الأزهر والدولة في الفضاء العام.
<br>الكنيسة الإنجليزية بعد الانفصال:
<br>أما في الحالة الإنجليزية، فقد أدى الانفصال عن روما إلى تحويل كنيسة إنجلترا إلى كنيسة وطنية خاضعة مباشرة للتاج، وتبنّت تدريجيًّا استقلالًا عن السلطة البابوية، مما مهّد لظهور البروتستانتية الإنجليزية التي تطورت لاحقًا إلى تيارات لاهوتية متعددة. غير أن هذا التحوّل لم يتم بسلاسة، إذ واجهت البلاد صراعات دينية عنيفة بين الكاثوليك والأنجليكان، وامتد التوتر إلى داخل الأسر المالكة والطبقات السياسية. ومع مرور الوقت، أصبحت العلاقة بين الدين والسياسة أكثر وضوحًا، وتحوّلت إنجلترا إلى واحدة من أوائل الدول التي مارست شكلًا واقعيًّا من العلمانية دون أن تُصرّح بذلك رسميًّا، فاحتفظت بمؤسسة دينية رسمية، لكن خفّضت من أثرها على القرار العام والحريات الدينية داخل الدولة الحديثة.
<br>تكشف تجربة الأزهر في عصر عبد الناصر أن المؤسسة الدينية، حين تفقد استقلالها، لا تفقد مكانتها الرمزية فحسب، بل تفقد قدرتها على القيام بوظيفتها الأصلية في الشهادة على الحق، والمساءلة الأخلاقية للسلطة.
<br>غير أن ما جرى في ستينيات القرن العشرين لم يكن استثناءً في تاريخ الأزهر، بل امتدادًا لمحاولات سابقة مارستها قوى حاكمة منذ العصر الفاطمي مرورًا بمحمد علي باشا، الذي سعى إلى تحويل العلماء إلى موظفين في جهاز الدولة، عبر التحكم في الأوقاف والتعيينات، وانتهاءً بالأنظمة الحديثة التي حاولت تأميم الأزهر فكريًّا ومؤسساتيًّا. لكن هذه المحاولات، رغم نجاحها الجزئي، لم تفلح في قتل الروح الأزهرية المستقلة التي ظلّت تقاوم، بصوت العالم، أو بفتوى في الهامش، أو باستقالة صامتة ذات دلالة.
<br>وقد يكون الطريق إلى تجديد الأزهر اليوم لا في تحديث المناهج فقط، بل في تحرير المؤسسة من التبعية السياسية، واستعادة استقلالها العلمي والإداري، لتعود كما كانت: ضميرًا للأمة، لا بوقًا للسلطان، ومؤسسة تقف بجانب المظلوم لا بجانب الحاكم، وتقول &#8220;لا&#8221; حين تصمت الدولة، وتذكّر أن العلم الشرعي إذا انفصل عن الحرية، يصبح تزكية للواقع لا تصحيحًا له. 
<br>د خالد نصر
<br>بوسطن ١ أغسطس ٢٠٢٥

]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>معضلة فلسطين والنبوءات</title>
		<link>https://www.iiis.us/%d9%85%d8%b9%d8%b6%d9%84%d8%a9-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%88%d8%a1%d8%a7%d8%aa/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Scholar]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 22 Jul 2025 03:10:20 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.iiis.us/?p=7465</guid>

					<description><![CDATA[تعد النبوءات والإلهامات في حياة الأمم موضوعًا متعدد الأبعاد، يتقاطع فيه التاريخ بالدين، والأسطورة بالواقع، والسياسة بالإيمان. ومع تنوع الثقافات والحضارات إلا أنها تقريبا اتفقت في التأثر بالنبوءات والإلهامات، وتصرفت في كثير من الأحيان على مقتضاها. ومع أن النبوءة مصطلح عام يشمل الإلهي الحقيقي، والبشري المدعى، فإنني سأركز أكثر على القسم الثاني وتأثيره: أولا: من...]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
تعد  النبوءات والإلهامات في حياة الأمم موضوعًا متعدد الأبعاد، يتقاطع فيه التاريخ بالدين، والأسطورة بالواقع، والسياسة بالإيمان.
<br>ومع تنوع الثقافات والحضارات إلا أنها تقريبا اتفقت في التأثر بالنبوءات والإلهامات، وتصرفت في كثير من الأحيان على مقتضاها. 
<br>ومع أن النبوءة مصطلح عام يشمل الإلهي الحقيقي، والبشري المدعى، فإنني سأركز أكثر على القسم الثاني وتأثيره:
<br>أولا: من جهة التعريف:
<br>● النبوءة: خبر أو بيان يُنسب إلى مصدر إلهي أو علوي، يتضمن عادةً تنبؤًا بالمستقبل أو كشفًا عن واقع خفي.

<br>● الإلهام: شعور داخلي يُعتقد أنه من مصدر إلهي أو قوة عُليا، يقود صاحبه إلى فعل معين أو رؤية خاصة.
<br>ثانيا: من جهة التأثير: 
<br>للنبوءات والإلهامات تأثير كبير وواسع في حياة الأمم نستطيع أن نشير إلى أهم أبعاده: 
<br>١- التأسيس للسلطة الشرعية: وذلك مثلا كنبوءات ظهور المهدي التي تعطي حقًّا دينيًّا.
<br>٢- التعبئة والتحفيز الجمعي: ومثال ذلك إطلاق الرؤى والإلهامات قبل المعارك الكبرى.
<br>٣- بناء هوية قومية معينة: وذلك كنبوءات اليهود في وطن قومي مثلا بعد الشتات.
<br>٤- تفسير الواقع وتبرير المعاناة: لا سيما في أوقات الشدة، وذلك للعود إلى نبوءات قديمة.
<br>٥- التضليل الممنهج: وذلك بنشر النبوءات والإلهامات لخلق واقع معين.

<br>ثالثا: نماذج واقعية من النبوءات التي غيرت مجرى الأحداث:
<br>على مر التاريخ أثرت النبوءات في الأحداث والكثير منها أوجد واقعًا جديدًا وسنذكر هنا بعض النماذج: 
<br>النموذج الأول: رؤيا قسطنطين: 
<br>وردت القصة في كتاب &#8220;حياة قسطنطين&#8221; (Vita Constantini) الذي كتبه المؤرخ المسيحي أوسابيوس القيصري (Eusebius of Caesarea)، أثناء تحرك الإمبراطور قسطنطين نحو معركة &#8220;جسر ميلفيوس&#8221; ضد خصمه ماكسنتيوس عام 312م، رأى في السماء علامة الصليب، ومعها عبارة باللاتينية:
<br> “In hoc signa Vinces”
<br>بهذه العلامة تنتصر(<img src="https://s.w.org/images/core/emoji/15.1.0/72x72/271d.png" alt="✝" class="wp-smiley" style="height: 1em; max-height: 1em;" />) 
<br>ثم رأى في المنام أن المسيح أمره أن يجعل هذه العلامة شعارًا لجنده، فصنع راية حربية خاصة تحمل رمز الكايرو (☧)، وهما أول حرفين من اسم &#8220;المسيح&#8221; باليونانية.
<br>انتشر خبر هذه الرؤيا بين الجنود، وبالفعل انتصر قسطنطين وهزم ماكسنتيوس بعد تلك الرؤيا، واعتبر النصر &#8220;إلهيًا&#8221;، وأرجعه إلى الإله المسيحي، وكان نتيجة ذلك أنه بعد عام  أصدر قسطنطين مرسوم ميلان 313م الذي أنهى اضطهاد المسيحيين، وأعلن الحرية الدينية، وفي العقود التالية، دعم الكنيسة، وبنى الكاتدرائيات، وأصبح أول إمبراطور مسيحي فعليًّا.
<br>النموذج الثاني: نبوءة جان دارك: 
<br>جان دارك Jeanne d’Arc  فتاة فلاحة بسيطة ولدت عام  1412م في قرية دومريمي في الوسط الشرقي من فرنسا، وفرنسا كانت في خضم حرب المائة عام ضد إنجلترا، والوضع العسكري كان كارثيًّا، وعرش فرنسا مهدد بالضياع.
<br>فملك فرنسا السابق زوج ابنته لملك الإنجليز على أن يؤول عرش فرنسا كلها لملك الإنجليز بعد وفاته، وحينما توفي ترك ابنه &#8220;تشارلز السابع&#8221; الذي لم يكن متوَّجًا، وكان فاقدًا للشرعية الفعلية،كما احتلت بريطانيا جزءًا كبيرًا من شمال فرنسا، وانفصل البورجنديون وهم فرنسيون عن مملكة فرنسا، واحتلوا باريس، وتحالفوا مع الإنجليز، ولم يبق من مملكة فرنسا إلا أجزاء جنوبية وريفية.
<br>في هذا الوقت العصيب جاءت رؤيا جان دارك، في سن 13، فقالت جان إنها بدأت ترى رؤى من السماء؛
أصوات من القديسين (ميخائيل، كاترين، مارغريت).كانت تخبرها بأنها  ستقود الجيش الفرنسي لطرد الإنجليز، وتتوج الملك تشارلز السابع، وتحرر فرنسا وتوحدها.
<br>وبالفعل أقنعت كبار القادة بلقائها بالملك (ولي العهد حينها)، الذي منحها قيادة معنوية للجيش، وجعل لها راية مميزة في أول الجيش، وأطلق عليها Maid of Lorraine أي عذراء أورليان، وصار الناس يتبركون بها، واجتمع حولها كثير من الناس، حتى حررت أورليان عام 1429 في معركة فاصلة، ومهدت الطريق لتتويج تشارلز السابع في ريمس كما وعدت. 
<br>ومع أنها تعرضت للخيانة بعد ذلك من تشارلز وكهنة الكنيسة وأحرقت بدعوى الهرطقة والتجديف في محاكمة كنسية، إلا أن نبوءتها أثرت في تاريخ فرنسا، وغيرت مجرى الحرب، وأدت إلى توحد فرنسا مرة ثانية، وتحولت هي بعد ذلك إلى أيقونة فرنسية، حتى أنها أعلنت قديسة في الكنيسة الكاثوليكية سنة 1920.
<br>النموذج الثالث: نبوءة الرايات السود: 
<br>من النماذج الإسلامية للنبوءات المؤثرة في التاريخ نبوءة أطلقها بنو العباس ومواليهم عن الرايات السود التي تنحدر من المشرق الإسلامي لا يوقفها أحد.
<br>لم يعتمد بنو العباس في نشر هذه النبوءة على الرؤى فقط، بل صنعوا لها أحاديث، والغريب أنها رويت في بعض كتب السنة ومن ذلك: 
<br>«إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من خراسان فأتوا إليها، فإن فيها خليفة الله المهدي» [رواه الحاكم والبيهقي وابن ماجه وإسناده مختلف عليه كما هو معلوم]. 
<br>وقد انتشرت هذه الأحاديث والنبوءات في المشرق الإسلامي والعراق، واستشعر بها حاكم خراسان الوالي نصر بن سيار، وكتب لبني أمية في دمشق يحذرهم من خطر هذه النبوءات، ومن ذلك قصيدته الشهيرة:
<br>أرى خلل الرماد وميض جمر&#8230; فيوشك أن يكون له ضرام
<br>فإن النار بالعودين تذكى&#8230; وإن الحرب مبدؤها الكلام
<br>فإن لم تطفئوها تجن حربًا&#8230; مشمرة يشيب لها الغلام
<br>فقلت من التعجب ليت شعري&#8230; أأيقاظٌ أمية أم نيام
<br>فإن يقظت فذاك بقاء ملك&#8230; وإن رقدت فإني لا ألام
<br>فإن يك أصبحوا وثووا نيامًا&#8230; فقل قوموا فقد حان القيام
<br>ففري عن رحالك ثم قولي&#8230; على الإسلام والعرب السلام
<br>استغل العباسيون النبوءة لتأليب الجماهير، وربطوا أنفسهم بالمهدي، وساد الاعتقاد أنهم هم الموعودون، واستغل ذلك أبو مسلم الخراساني وجعل رايته سوداء مكتوبًا عليها (يا محمد يا منصور)، فاستولى على خراسان وما وراءها، وأرسل جيشه مع قحطبة بن شبيب ففتح العراق، ومن بعدها توالت الهزائم الأموية حتى قتل آخر خليفة أموي في مصر سنة 132هـ، وبدأت الدولة العباسية التي استمرّت حتى ظهور الخلافة العثمانية.
<br>النموذج الرابع: نبوءة مسلمة بن عبد الملك:
<br>تقول النبوءة: إن مسلمة بن عبد الملك كان على اتصال ببعض من يحدث بأخبار الحدثان، وأنه كان يروي أن ملك بني أمية في المشرق إلى زوال، ولكنه سيتجدد في المغرب على يد شاب أموي له أوصاف خاصة، حتى أنهم رووا أن مسلمة بن عبد الملك عندما شاهد عبد الرحمن بن معاوية بن هشام،توسم فيه &#8220;أمارات النجابة والمُلك&#8221;، وقال: إن ذلك الفتى هو الذي سيعيد إحياء دولة بني أمية في المغرب بعد زوالها من المشرق.
<br>آمن عبد الرحمن بهذه النبوءة وجعلها من أمامه، وعندما هُزِمَ مروان بن محمد في الزاب، خرج عبد الرحمن لنواحي فلسطين ومنها هرب لمصر، حيث انتقل لشمال أفريقيا، ومن هناك بدأ يراسل موالي بني أمية وقبائل اليمنية الموتورين والمخالفين لحاكم الأندلس يوسف الفهري وحليفه الصميل بن حاتم القيسي، وانتقل عبد الرحمن إلى الأندلس، وهناك اختار أيضا موعد المعركة الفاصلة بينه وبين الفهري والقيسية لتوافق حدثًا، انتصر فيه بنو أمية لتكتمل النبوءة والبشارة، فقاتلهم يوم عيد الأضحى، وهو يوم يوافق معركة شهيرة انتصر فيها بنو أمية واليمنية على الضحاك بن قيس في معركة مرج راهط، فتفاءل أتباعه، وتشاءم أتباع أعدائه وانهزموا، ودخل عبد الرحمن قرطبة، وسمي من وقتها (عبد الرحمن الداخل) وأقام دولة أمويّة استمرّت لثلاثة قرون متتالية. 
<br>النموذج الخامس: نبوءة فتح القسطنطينية: 
<br>أخرج الإمام أحمد في مسنده، عن عبد الله بن بشر الخثعمي، عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش». والحديث صححه الحاكم والذهبي وغيرهما. 
<br>وكان لهذه النبوءة الأثر الكبير في محاولات فتح المدينة، حتى أنه ورد أن المحاولات وصلت لاثنتي عشرة محاولة، على مدار 800 سنة، لم تنقطع.
<br>بدءا من محاولة معاوية بن أبي سفيان سنة 671 م والتي حضرها سيدنا أبو أيوب الأنصاري وتوفي هناك، وقبره ما زال هناك يزار بالقرب من سور المدينة القديمة، ومرورًا بحملة مسلمة بن عبد الملك والتي كانت الأكبر سنة 717م واستمرت لعامين، ولم تفلح. وعدة محاولات عثمانية منها حملة مراد الأول، وبايزيد الأول، ومراد الثاني والد محمد الفاتح.
<br>وأخيرا: تم الفتح على يد السلطان محمد الثاني الذي كان عمره وقتها 21 عامًا، حيث استخدم مدافع ضخمة، وسفن نُقلت على اليابسة، وخطط محكمة، ودام الحصار 53 يومًا ثم سقطت القسطنطينية في 29 مايو 1453م،
<br>وتحول اسمها إلى إسلامبول.

<br>رابعا: معضلة فلسطين والنبوءات: 
<br>معضلة فلسطين تُعد من أكثر قضايا العصر تشابكًا بين السياسة والتاريخ والدين، وهي من القضايا القليلة التي لا تُفهم بالكامل إلا بفهم ما يُحيط بها من نبوءات دينية ورؤى آخر الزمان في الديانات الكبرى الثلاث: اليهودية، والمسيحية، والإسلام.حيث لا توجد بقعة في الأرض اجتمع عليها من النبوءات ما اجتمع لهذه البقعة، ومن ثم كانت مجالا للحرب والصراع طول التاريخ، وستبقى على ذلك لأمد يعلمه الله سبحانه.
<br>النبوءة اليهودية: 
<br>يرى اليهود أنهم وعدوا بهذه الأرض، وأن الرب منحها إبراهيم وبنيه من نسل إسحاق، وأن النبوءة أخبرتهم أن لهم من النيل إلى الفرات، حيث وعد الرب إبراهيم: أن يهب نسله الأرض من &#8220;النيل إلى الفرات&#8221; [سفر التكوين].
<br>وأيضا نبوءة العودة بعد الشتات وأن اليهود سيُطردون ثم يعودون إلى أرض صهيون في آخر الزمان. [سفر إشعياء، وحزقيال]. ونبوءة بناء الهيكل الثالث حيث سيُعاد بناء الهيكل في القدس، ويأتي &#8220;المسيّا المنتظر&#8221;.
<br>وقد وظفت الصهيونية الحديثة هذه النبوءات لتبرير الاستيطان وقيام إسرائيل.كما أن الحركات الدينية مثل 
(غوش إيمونيم) ترى أن الاستيطان في فلسطين يُسرّع بقدوم المسيّا.
<br>النبوءة البروتستانتية: 
<br>يؤمن  التيار الإنجيلي البروتستانتي (Evangelicals) بنبوءة ما يسمى بالألفية المسيحية التي ستأتي بعد معركة هرمجدون، فوفقًا لسفر الرؤيا تتحالف قوى الشر بقيادة الدجال (الوحش)، وتنشب معركة كبرى بينه وبين المسيح العائد (يسوع) وأتباعه في سهل هرمجدون، وهو مكان قريب من مكان موقعة عين جالوت الشهيرة.  
وفي المعركة تُهزم قوى الشر ويُقتل الوحش والنبي الكذاب، ويُسجن الشيطان ويبدأ &#8220;العصر الألفي&#8221; لحكم المسيح في سلام وعدالة. 
<br>ولكن كي يتحقق ذلك لا بد من عودة اليهود لفلسطين لينزل عليهم المسيح من جبل الزيتون، ولذلك يؤيد الإنجيليون إسرائيل تأييدًا مطلقا حتى تتحقق النبوءة. فأرمجيدون هي نبوءة مسيحية عن معركة نهائية في فلسطين بين قوى الخير والشر، تنتهي بعودة المسيح وسقوط قوى الشيطان، تحوّلت عبر القرون إلى مفهوم لاهوتي – سياسي – ثقافي، تُستخدم اليوم في تفسير الصراعات في الشرق الأوسط، وتُوظَّف لتبرير التحالفات أو العنف.
<br>الموعود القرآني: 
<br>أما نحن المسلمين فلدينا أيضا موعود إلهي بالعودة لتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، وأننا سندخل المسجد كما دخلناه من قبل في وقت عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
<br>قال تعالى: ﴿‌فَإِذَا ‌جَاءَ ‌وَعْدُ ‌الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: 7]، ولدينا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تتحدث عن بقائنا في أرض فلسطين مدى الدهر ومنها الحديث:
 <br>«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق… وهم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس». [رواه الطبراني  وحسّنه الهيثمي].
<br>والنتيجة الحتمية التي تنتج عن اجتماع النبوءات في بقعة واحدة محددة ومن أطراف مختلفة، أن كل طرف يرى أن الآخر عدو النبوءة ومانع للتحقق الإلهي، وهذا يُنتج حالة من الصراع المسلح والتمسك العقائدي بأرض واحدة، لا تسامح فيها ولا مشاركة. كما أن تعدد النبوءات حول فلسطين حوّلها من أرض قابلة للحلول، إلى أرض محاصَرة بالعقائد والتصورات المطلقة، كل طرف يعتقد أنه يُمهّد الطريق لـ&#8221;خلاص سماوي&#8221;، مما يجعل الصراع ليس سياسيًّا فقط، بل وجوديًّا ونبوئيًّا، وهذا ما يجعل صراعنا مع أعدائنا أكثر شراسة من غيره، ويجعل الثمن المبذول أكثر فداحة وأكثر إيلامًا، وهو ثمن لا بد أن ندفعه على كل حال، ليس فقط لأنه واجب ديني وموعود إلهي، ولكن لأن أعداءنا يصدرون عن عقيدة لا تنتهي إلا بالاستئصال، ومن يظن أن العدو سيقبل بالسلام أو بحق التعايش فهو واهم بقصد أو بغير قصد. 
<br>ونحن المسلمين مع أننا محاصرون بقوة أعدائنا وبإيمانهم الظاهر بنبوءاتهم، إلا أنه لدينا بالإضافة إلى الموعود الديني، لدينا عناصر أخرى في صالحنا، وهي أصعب ما سيواجهه أعداؤنا، فلدينا التاريخ الممتد لأكثر من خمسة آلاف سنة في هذه الأرض، ولدينا الجغرافيا التي تحيط بالبقعة كإحاطة السوار، ولدينا البعد السكاني الممتد والذي لا ينتهي، وهي عناصر أقوى من النبوءات، لأننا لم ننجح في تحقيق نبوءة القسطنطينية حتى غيرنا هذه العناصر الثلاثة. 
<br>أما أعداؤنا فلن يستطيعوا تغيير هذه العوامل وإن اجتهدوا.
<br>د. خالد نصر
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حديث رزية الخميس بين السنة والشيعة</title>
		<link>https://www.iiis.us/%d8%ad%d8%af%d9%8a%d8%ab-%d8%b1%d8%b2%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d9%8a%d8%b3-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b9%d8%a9/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Scholar]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 21 Jul 2025 02:58:33 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.iiis.us/?p=7462</guid>

					<description><![CDATA[  من المسائل التي أثارت جدلًا واسعًا بين مدارس الإسلام الكبرى، واختلفت حولها المرويات والمواقف، مسألة طلب النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه كتابة كتابٍ &#8220;لن يضلوا بعده أبدًا&#8221;، وهي الواقعة المعروفة في كتب الحديث والسيرة بـ&#8221;حادثة رزية يوم الخميس&#8221;. وقد تناقل المحدثون هذا الحديث في صيغ متعددة، منها ما رواه عبد الله بن...]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[

 
من المسائل التي أثارت جدلًا واسعًا بين مدارس الإسلام الكبرى، واختلفت حولها المرويات والمواقف، مسألة طلب النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه كتابة كتابٍ &#8220;لن يضلوا بعده أبدًا&#8221;، وهي الواقعة المعروفة في كتب الحديث والسيرة بـ&#8221;حادثة رزية يوم الخميس&#8221;.
<br>وقد تناقل المحدثون هذا الحديث في صيغ متعددة، منها ما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، الذي حضر الموقف وتأثر به، حتى كان يذكره باكيًا، ومنها ما ورد عن غيره من الصحابة، مع تفاوت في الألفاظ والتفصيلات.
<br>وقد أصبح هذا الحديث في القرون التالية محور تأويلات مذهبية متضادة:
<br>● فذهب أئمة السنة إلى أنه من دلائل رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته وحرصه على هدايتها، وأن امتناعه عن الكتاب كان بعناية إلهية لحكمة أسمى.
<br>● بينما استند إليه الشيعة في بناء جزء كبير من تصورهم لعقيدة الإمامة والنص على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعدّوه دليلًا على حصول المنع المتعمد من الوصية بالخلافة لعلي.
 <br>ولأجل هذه الحساسية العقدية، فإن دراسة هذه الروايات تستوجب:
<br>● تحقيقًا دقيقًا لأسانيدها ومتونها.
<br>● وتمييزًا بين ما ثبت وصح وما لم يصح.
<br>● وتحليلًا موضوعيًّا للسياق الذي وردت فيه الروايات، بعيدًا عن التحامل أو التعصب.
<br>كما يجب التمييز بين:
<br>● ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم نصًّا.
<br>● وما فهمه أو فسّره بعض التابعين أو العلماء في القرون اللاحقة، حتى لا يُنسب إلى الشرع ما ليس منه.
<br>وتهدف هذه المقالة إلى جمع الروايات الواردة في كتب الحديث المعتمدة حول هذا الحدث، وتحليل سياقاتها وظروفها ومضامينها، وبيان الموقف الصحيح منها في ضوء قواعد النظر في التعامل مع النصوص.
<br>مع الرد العلمي على القراءات المغلوطة التي استُثمر فيها هذا الحديث للطعن في مقام الصحابة أو في كمال الدين وتمام البلاغ النبوي.
 <br>فالمقصد من المقالة ليس الانتصار لمذهب، بل إحقاق الحق الذي عليه دلائل النقل الصحيح، والعقل الصريح، والله المستعان وعليه التكلان.
<br>أولا: الروايات العامة: 
<br>وهذه الروايات لم تخصص ماذا سيكتب في وصيته للأمة ومنها: 
<br>&#8211; ما رواه البخاري بسنده عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: &#8220;لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم وجعه قال: «ائتُونِي بِكِتَابٍ ‌أَكْتُبْ لَكُمْ ‌كِتَابًا لَا ‌تَضِلُّوا مِنْ بَعْدِهِ». قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم غلبه الوجعُ، وعندنا كتاب اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: «قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ». فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وبين كتابه&#8221;.
<br>&#8211; وفي رواية للبخاري: &#8221; ….. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزيَّة كُلَّ الرَّزيَّة مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ، مِن اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ&#8221;. وعبيد الله هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وليس كما ظن بعض الباحثين أنه ابن عبد الله بن عباس. 
<br>&#8211; ما رواه البخاري بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: &#8220;يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء، فقال: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعه يوم الخميس، فقال: «ائتُونِي بِكِتَابٍ ‌أَكْتُبْ لَكُمْ ‌كِتَابًا لَنْ ‌تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا». فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هَجَرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قال: «دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ». وأوصى عند موته بثلاث: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ». ونسيت الثالثة. وقال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن، عن جزيرة العرب، فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن. وقال يعقوب: والعرج أول تهامة&#8221;.
<br>&#8211; وفي رواية للبخاري: &#8221; …… فأمرهم بثلاث، قال: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ». والثالثة خير، إما أن سكت عنها، وإما أن قالها فنسيتها. قال سفيان: هذا من قول سليمان&#8221; وسفيان هو سفيان بن عيينة راوي الحديث، وسليمان هو سليمان الأحول تلميذ سعيد بن جبير.
<br>&#8211; ما رواه مسلم بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: &#8220;قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى. فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ. فَقَالَ «ائْتُونِي ‌أَكْتُبْ لَكُمْ ‌كِتَابًا لَا ‌تَضِلُّوا بَعْدِي» فَتَنَازَعُوا&#8221;. 
<br>&#8211; وفي رواية لمسلم: &#8220;…… قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ائْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ (أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ) ‌أَكْتُبْ لَكُمْ ‌كِتَابًا لَنْ ‌تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا» فَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَهْجُرُ&#8221;. 
<br>&#8211; ما رواه مسلم بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: &#8220;لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْبَيْتِ رجال فيهم عمر ابن الْخَطَّابِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلُمَّ ‌أَكْتُبْ لَكُمْ ‌كِتَابًا لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ». فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ. وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ. حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ. فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ. فَاخْتَصَمُوا. فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‌كِتَابًا لَنْ ‌تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغْوَ وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُومُوا». قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ، مِنَ اخْتِلَافِهِمْ ولغطهم&#8221;. 
<br>&#8211; ما رواه الصنعاني بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: &#8220;يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى خَضَبَ دَمْعُهُ الْحَصَا، قَالَ: فَقُلْتُ: ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: لَمَّا احْتُضِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَرِّبُوا أَكْتُبْ إِلَيْكُمْ ‌كِتَابًا لَا ‌تَضِلُّوا بَعْدَهُ» قَالَ: فَتَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيِّ اللَّهِ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ. فَقَالَ: «دَعُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ» قَالَ: فَأَوْصَى بِثَلَاثٍ عِنْدَ مَوْتِهِ قَالَ: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوُفُودَ بِنَحْوٍ مِمَّا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ»&#8221;. قَالَ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَعِيدٌ سَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَسِيتُهَا.
<br>&#8211; ما رواه ابن سعد بسنده عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس قال: &#8220;اشتكى النّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومَ الخميس فجعل، يعني ابن عبّاس، يبكى ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس! اشتدّ بالنّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجعه فقال: «ائتوني بدواةٍ وصحيفةٍ ‌أكْتُبْ لكم ‌كتابًا لا ‌تَضلّوا بعده أبدًا»، قال: فقال بعض مَن كان عنده: إنّ نبيّ الله لَيَهْجر! قال فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: «أَوَ بَعْدَ ماذا؟». قال: فلم يدعُ به&#8221;.
<br>&#8211; ما رواه الطبراني في الأوسط بسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: &#8220;لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ادْعُوا لِي بِصَحِيفَةٍ وَدَوَاةٍ ‌أَكْتُبْ لَكُمْ ‌كِتَابًا لَا ‌تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»، فَكَرِهْنَا ذَلِكَ أَشَدَّ الْكَرَاهَةِ، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي بِصَحِيفَةٍ ‌أَكْتُبُ لَكُمْ ‌كِتَابًا لَا ‌تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»، فَقَالَ النِّسْوَةُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ: أَلَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّكُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ، إِذَا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَصَرْتُنَّ أَعْيُنَكُنَّ، وَإِذَا صَحَّ رَكَبْتُنَّ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُنَّ؟ فَإِنَّهُنَّ خَيْرٌ مِنْكُمْ»&#8221;.
<br>وروايات هذه الحادثة مشهورة في كتب الحديث والسيرة والتاريخ والأدب واللغة بسبب ما ورد فيها، ومن هذه المراجع:
<br>مصنف عبد الرزاق 6/ 90. 
<br>الأمالي في آثار الصحابة لعبد الرزاق الصنعاني ص 38.
 <br>مسند الحميدي 1/ 457. 
<br>الطبقات الكبير لابن سعد 2/ 213. 
<br>مسند أحمد 3/ 409 ، 135/5، 233، 352.
<br>أخبار مكة الفاكهي 3/ 40. 
<br>مسند البزار &#8221; البحر الزخار&#8221; 11/ 108. 
<br>السنن الكبرى النسائي 5/ 366، 63/7.
<br>السنة لأبي بكر بن الخلال 1/ 269. 
<br>مستخرج أبي عوانة 12/ 606. 
<br>صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع 7/ 748. 
<br>شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 7/ 1367.




<br>ثانيا: الروايات الخاصة: 
<br>وهي التي ذكرت ما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يوصي به:
<br>&#8211; ما رواه مسلم بسنده عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي مَرَضِهِ: «ادْعِي لي أبا بكر، وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا. فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى. ‌وَيَأْبَى ‌اللَّهُ ‌وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ».
<br>&#8211; ما رواه الحاكم بسنده عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ائْتِنِي بِدَوَاةٍ وَكَتِفٍ ‌أَكْتُبُ لَكُمْ ‌كِتَابًا لَنْ ‌تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»، ثُمَّ وَلَّانَا قَفَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ»، قال الذهبي: إسناده صحيح.
<br>&#8211; ما رواه النسائي بسنده عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: &#8220;دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي بُدِئَ بِهِ فَقُلْتُ: وَارَأْسَاهْ فَقَالَ: «وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَهَيَّأْتُكِ وَدَفَنْتُكِ» فَقُلْتُ غَيْرَى: كَأَنِّي بِكَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَرُوسًا بِبَعْضِ نِسَائِكَ قَالَ: «وَارَأْسَاهِ ‌ادْعِي ‌لِي ‌أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ لِأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقُولُ قَائِلٌ، وَيَتَمَنَّى تَأَوُّلًا، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ»&#8221;.
<br>&#8211; ما رواه البيهقي بسنده عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: &#8220;دَخَل عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي بُدِئَ فِيهِ، فَقُلْتُ: وَارَأْسَاهُ، قَالَ: «لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَأَنَا حَيُّ فَأُصَلِّي عَلَيْكِ وَأَدْفِنُكِ»، قَالَتْ: فَقُلْتُ غَيْرَى: كَأَنِّي بِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ نِسَائِكَ، قَالَ: «أَنَا وَارَأْسَاهُ، ‌ادْعِي ‌لِي ‌أَبَاكِ وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ لِأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ». 
<br>&#8211; ما رواه ابن سعد في الطبقات عن نُعيم بن يزيد، أخبرنا عليّ بن أبي طالب: &#8220;أنّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا ثَقُلَ قال: «يا عليّ، ائتني بِطَبَقٍ أكتبْ فيه ما لا تَضلّ أُمّتي بعدي»، قال: فخشيتُ أن تَسبقنى نفسه، فقلت: إنِّي أحفظ ذراعًا من الصحيفة، قال: فكان رأسه بين ذراعي وعَضُدي فجعل يُوصي بالصّلاة والزّكاة وما ملكَتْ أَيْمانُكم، قال: كذلك حتى فاضت نفسُه وأمر بشهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا عبده ورسوله حتى فاضت نفسه، مَن شهد بهما حُرّم على النّار&#8221;.
<br>وهذه الروايات تكررت أيضًا في كتب الحديث والسيرة والأدب ومنها ما رواه الطبراني في الأوسط، والحاكم في المستدرك، وابن سعد في الطبقات، والنويري في نهاية الأرب.

<br>ثالثا: روايات الشيعة: 
<br>وردت هذه الحادثة بكثرة في كتب الشيعة حتى وصفها المجلسي في بحار الأنوار بأنها من المتواتر المعنوي، ومن هذه الروايات:
<br>&#8211; ما رواه الطبرسي في الاحتجاج: عن أميرِ المؤمنينَ عليهِ السلام قالَ: &#8220;يا طلحةُ، ألستَ قد شهدتَ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله حينَ دعا بالكتفِ ليكتبَ فيها ما لا تضلُّ الأمّةُ ولا تختلف، فقالَ صاحبُك ما قال: إنَّ نبيَّ اللهِ يهجُر، فغضبَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآله، ثمَّ تركَها؟ قالَ: بلى، قد شهدتُ ذاك&#8221;. ويقصد بصاحبه سيدنا عمر رضي الله عنه.
<br>&#8211; ما رواه النعماني في الغيبة: &#8220;أنَّ عليًّا عليهِ السلام قالَ لطلحةَ -في حديثٍ طويلٍ عندَ ذكرِ تفاخرِ المُهاجرينَ والأنصارِ بمناقبِهم وفضائلِهم-: يا طلحةُ، أليسَ قد شهدتَ رسولَ الله صلّى اللهُ عليهِ وآله حينَ دعانا بالكتفِ ليكتبَ فيها ما لا تضلُّ الأمّةُ بعدَه ولا تختلف، فقالَ صاحبُك ما قالَ: إنَّ رسولَ اللهِ يهجُر، فغضبَ رسولُ الله وتركَها؟ قالَ: بلى قد شهدتُه&#8221;.
<br>&#8211; ما جاء في كتاب سليم بن قيس الهلالي: قال أبانُ بنُ أبي عيّاش، عن سُليم، قالَ: إنّي كنتُ عندَ عبدِ اللهِ بنِ عبّاس في بيتِه وعندَه رهطٌ منَ الشيعة، قالَ: فذكروا رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله وموتَه، فبكى ابنُ عبّاس، وقالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله يومَ الاثنين -وهوَ اليومُ الذي قُبضَ فيه- وحولهُ أهلُ بيتِه وثلاثونَ رجلًا مِن أصحابِه: «ائتوني بكتفٍ أكتبْ لكُم فيهِ كتابًا لن تضلّوا بعدِي، ولن تختلِفوا بعدي». فمنعَهم فرعونُ هذه الأمّةِ فقالَ: إنّ رسولَ اللهِ يهجُر، فغضبَ رسولُ الله صلّى اللهُ عليهِ وآله، وقالَ: «إنّي أراكُم تخالفوني وأنا حيٌّ، فكيفَ بعدَ موتي»؟ فتركَ الكتف. قالَ سُليم: ثمّ أقبلَ عليَّ ابنُ عبّاس فقالَ: يا سُليم، لولا ما قالَ ذلكَ الرجلُ لكتبَ لنا كتابًا لا يضلُّ أحدٌ ولا يختلف. فقالَ رجلٌ منَ القوم: ومَن ذلكَ الرجل؟ فقالَ: ليسَ إلى ذلكَ سبيل. فخلوتُ بابنِ عبّاس بعدَما قامَ القوم، فقالَ: هوَ عُمر. فقلتُ: صدقتَ، قد سمعتُ عليًّا عليهِ السلام وسلمانَ وأبا ذرٍّ والمقدادَ يقولون: إنّهُ عُمر. فقالَ: يا سُليم، اكتمْ إلّا ممَّن تثقُ بهم مِن إخوانِك، فإنَّ قلوبَ هذهِ الأمّةِ أشربَت حبَّ هذينِ الرجلينِ كما أشربَت قلوبُ بني إسرائيلَ حبَّ العجلِ والسامري&#8221;. 
<br>وذكر مثل هذه الروايات المفيد في الإرشاد، والفضل بن شاذان في الإيضاح، والكراجكي في التعجّب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة، والكفعمي في معارج الأفهام وغيرهم.
<br>رابعا: من ينظر إلى الروايات المتنوعة: 
 <br>يجد أن بعضها روي مختصرا، وبعضها روي مطولا، وهذا شأن الكثير من الروايات، لا سيما روايات الأفعال، لأنها تعتمد على أمور منها القدرة على التذكر وعلى القصد من روايتها، فبعضهم يركز على مطلق الرواية، وبعضهم يوردها للاستشهاد لشيء معين، فيقتصر على موضع الاستدلال.
<br>كذلك يجد نوعين من الروايات:
<br>الأول: وهو الأكثر الأوثق يذكر القصة بدون تحديد المقصود من الكتاب.
<br>الثاني: روايات تحدد بعض مضمون الكتاب، أو ما كان في نيته صلى الله عليه وسلم أن يكتبه.
<br>لكن القاسم المشترك بين مجمل الروايات هو الآتي: 
<br>١- أن الحادثة وقعت في مرض وفاته صلى الله عليه وسلم، وبعضهم حددها بأربعة أيام قبل وفاته، أي يوم الخميس.
<br>٢- أن عدد الحضور كان كبيرًا نسبيًّا، ولم يقتصر على عدد محدود، بدليل كلمات مثل: (اللغط، الاختلاف).
<br>٣- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في حالة صحية جيدة، بدليل ما قاله البعض عن حاله، وكذلك بدليل صرفه إياهم.
<br>٤- أن خلافًا وقع بين الحاضرين في الامتثال للطلب، وبين مشفق على النبي صلى الله عليه وسلم في حالته هذه، وكذلك بين من اعتمد الطلب مباشرة، ومن أراد أن يتأكد مرة أخرى، وهذا راجع لكثرة الحضور حوله في هذا اليوم.
<br>٥- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد الطلب مرة أخرى، وإنما أمرهم بالانصراف.
يتفق في هذا القدر الروايات السنية والروايات الشيعية.
<br>وهناك قدر آخر اختلفت في ذكره الروايات إيرادا أو تجاهلا، لفظًا ومعنى، ومن ذلك: 
<br>١- اسم القائل بترك النبي لمرضه، فبعضها صرح باسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعضها عمم.
<br>٢- قولهم (هجر) هل جاء على سبيل الخبر أو جاء على سبيل الإنشاء، فبعضها جعله خبرًا، وبعضها جعله استفهامًا.
<br>٣- تعليق ابن عباس، فبعضها ذكر قول ابن عباس، وبعضها لم يذكره.

<br>خامسا: تعليق على مجمل الروايات: 
<br>التعليق الأول: تفسير الهُجْر:
<br> (الهُجْر) في اللغة بضم الهاء وسكون الجيم هو التخليط في الكلام أو الهذيان، والفعل منه (هَجَرَ) بفتح الهاء والجيم.
<br>ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزروها ولا تقولوا هُجْرًا» بضم الهاء هو القول الممنوع أو الفاسد، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا طفتم بالبيت فلا تلغوا ولا تهجُروا» بضم الجيم وفتحها، وهو محتمل للقول الفاسد أو القول الفاحش. 
<br>و(الهَجْر) بفتح الهاء وسكون الجيم هو الترك، والفعل منه (هَجَرَ) بفتح الهاء والجيم. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يسمعون القرآن إلا هَجْرًا» أي إعراضًا وتركًا، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من الناس من يذكر الله إلا مُهَاجِرًا» والمقصود هنا إعراض القلب مع إقبال اللسان.
<br>لقد عرض لتفسير هذا اللفظ بصيغه المتنوعة في الروايات كل من شرح هذا الحديث وهم كثر، <br>وسأنقل بعضًا من ذلك:
<br>تفسير القرطبي رحمه الله: 
<br> (وقوله: أهجر؟ استفهموه)؛ كذا الرواية الصحيحة في هذا الحرف (أهجر؟) بهمزة الاستفهام، وهجر بالفتح بغير تنوين على أنه: فعل ماض. وقد رواه بعضهم: (أَهُجْرًا) بفتح الهمزة،وبضم الهاء، وتنوين الراء، على أن يجعله مفعولا بفعل مضمر؛ أي: أقال هجرا. وقد روي في غير &#8220;الأم&#8221;: هجر بلا استفهام. والهجر: يراد به هذيان المريض، وهو: الكلام الذي لا ينتظم، ولا يعتد به لعدم فائدته. <br>ووقوع مثل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم في حال مرضه أو صحته محال؛ لأن الله تعالى حفظه من حين بعثه إلى حين قبضه عما يخل بالتبليغ؛ ألا تسمع قوله تعالى: ﴿‌وَمَا ‌يَنْطِقُ ‌عَنِ ‌الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3-4]، وقوله تعالى: ﴿‌إِنَّا ‌نَحْنُ ‌نَزَّلْنَا ‌الذِّكْرَ ‌وَإِنَّا ‌لَهُ ‌لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
<br>وقد شهد له بأنه على صراط مستقيم، وأنه على الحق المبين، إلى غير ذلك؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني في الغضب والرضا، فإني لا أقول على الله إلا حقا»، ولما علم أصحابه هذا كانوا يأخذون عنه ما يقوله في كل حالاته، حتى في هذه الحالة، فإنهم تلقوا عنه، وقبلوا منه جميع ما وصى به عند موته، وعملوا على قوله: «لا نورث». ولقوله: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب». و«أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم». 
<br>إلى غير ذلك. ولم يتوقفوا، ولا شكوا في شيء منه. وعلى هذا: يستحيل أن يكون قولهم: (أهجر؟)، لشك عرض لهم في صحة قوله زمن مرضه، وإنما كان ذلك من بعضهم على جهة الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة، وتلكأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف، أتظن: أنه قال هذيانا؟ فدع التوقف وقرب الكتف، فإنه إنما يقول الحق، لا الهجر. وهذا أحسن ما يحمل ذلك عليه. فلو قدرنا أن أحدًا منهم قال ذلك عن شك عرض له في صحة قوله؛ كان خطأ منه، وبعيد أن يقره على ذلك القول من كان هناك ممن سمعه من خيار الصحابة، وكبرائهم، وفضلائهم. هذا تقدير بعيد، ورأي غير سديد. ويحتمل: أن يكون هذا صدر عن قائله عن دهش وحيرة أصابه في ذلك المقام العظيم، والمصاب الجسيم).
<br>تفسير ابن حجر رحمه الله:
<br>فبعد أن ذكر كلام القرطبي السابق قال: (ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات التي ذكرها القرطبي، ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتد عليه الوجع قد يشتغل به عن تحرير ما يريد أن يقوله لجواز وقوع ذلك، ولهذا وقع في الرواية الثانية فقال بعضهم: إنه قد غلبه الوجع، ووقع عند الإسماعيلي من طريق محمد بن خلاد عن سفيان في هذا الحديث، فقالوا: ما شأنه يهجر؟ استفهموه.
<br>وعن ابن سعد من طريق أخرى عن سعيد بن جبير أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ليهجر، ويؤيده أنه بعد أن قال ذلك: استفهموه بصيغة الأمر بالاستفهام أي: اختبروا أمره بأن يستفهموه عن هذا الذي أراده وابحثوا معه في كونه الأولى أولا، وفي قوله في الرواية الثانية فاختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم ما يشعر بأن بعضهم كان مصممًا على الامتثال والرد على من امتنع منهم ولما وقع منهم الاختلاف ارتفعت البركة كما جرت العادة بذلك عند وقوع التنازع والتشاجر، وقد مضى في الصيام أنه صلى الله عليه وسلم خرج يخبرهم بليلة القدر فرأى رجلين يختصمان فرفعت). 
<br>وعلى ذلك نستطيع أن نجمل الاحتمالات في الآتي:
<br>١- أن كلمة (هجر) أو (أهجر) أو (أقال هجرانا) جاءت على الاستفهام وليس على سبيل الخبر، وأن المقصود بها استفهام تعجبي ممن قال: إن الوجع أخذ بالنبي عليه الصلاة والسلام فدعوه ولا تتعبوه، فردوا عليه بما يوافق مرادهم ويدل على رغبتهم في إحضار القرطاس. ونحن نفعل ذلك في كلامنا فنذكر وصفا معينا، لا على قصد الوصف، ولكن لإلزام المخالف بعكس الوصف. 
<br>٢- أن تكون الألفاظ المتنوعة جاءت على سبيل الاستفهام أيضا، ولكن الاستفهام عن أمر آخر، وهو هل ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مصرًّا على إحضار الكتاب أو غير رأيه بعد خلاف الصحابة وسماعه لكلا الرأيين، وتكون (هجر) هنا بمعنى: أعرض، أي اسألوه هل ما زال يريد الكتاب أو أنه أعرض وترك. 
<br>٣- أن يكون الكلام جاء على سبيل الخبر سواء بالهمز أو بغيره، وهنا قال أكثر العلماء أنه إن وقع على ذلك الوجه، فيكون قد وقع من بعض حديثي الإسلام الذين حضروا لما علموا بمرضه، لا سيما أنه بقي في مرضه وقتًا، وبيته كان مليئًا بالناس، وهنا لا يكون مقصودهم الحط من قدره الشريف، ولكن أنهم نظروا للجانب البشري فيه صلى الله عليه وسلم، على حسب معارفهم السابقة في أحوال من يصاب بالحمى الشديدة.
<br>٤- أن يكون الأمر أيضًا على سبيل الخبر أو الاستفهام منه صلى الله عليه وسلم، ولكنه خرج خطأ من حالة الذهول التي أصابت البعض، لا سيما الذين يرونه على هذه الحال من الضعف والمرض، وهم في ذات الوقت مشفقون، وهذه حال يمكن أن يصدر عنها تعبيرات قد لا تليق، ولها نظائر في عالم الرواية، في ردة الفعل للفرح الشديد، أو الحزن الشديد. وقد رفع الله تعالى عن هذه الأمة إثم الخطأ إن وقع.
<br>وعلى كل الاحتمالات لا يُفْهَمُ من السياق تنقيص من قدره الشريف بحال، وأن ما زعمه الشيعة من قصد التنقيص مردود وذلك للآتي: 
<br>١- أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع ما دار بينهم، وكان أحرص الناس على صيانة مقام النبوة، ومع ذلك لم يُنكر قول من قال: (أهجر؟) بل اقتصر تعليقه على ذمّ الاختلاف، فقال: «قوموا عني، لا ينبغي عند نبي تنازع»، ولو كان في قولهم ما يقدح في عصمته أو نبوته، لكان من المتعين عليه أن يبيّنه، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو المبلّغ عن ربه حتى آخر أنفاسه.
<br>وروايات السنة والشيعة تقول: أنه طلب منهم الخروج، وعلل ذلك باختلافهم، وأنه منصرف إلى أمر أهم أو أفضل.
<br>والسؤال: لماذا لم يعلق النبي على قولهم: (أهجر) إذا كان فيه تنقيص كما رد على من قال له: اعدل؟ 
<br>٢- أن عليًّا رضي الله عنه كان حاضرًا تلك الحادثة، كما دلت عليه روايات الفريقين، ولم يُنقل عنه –لا في تلك اللحظة ولا بعدها– اعتراض أو إنكار على من قال: (أهجر؟)، بل لم يُبدِ غضبًا أو استنكارًا، مع كونه من أجرأ الناس في الحق وأكثرهم غيرة على مقام النبوة، فلو كان في القول طعن حقيقي، لما جاز له السكوت، خاصة في مقام كهذا، وقد نُقل عنه الغضب في مواضع دون هذا شأنًا.
فلا توجد رواية حتى عند الشيعة تقول: إن عليًّا انتصب ولام الصحابة على اتهامهم للنبي بالهجر!.
<br>٣- روى السنة والشيعة رواية ذكرت كلام ابن عباس وأنه اعتبر ما حدث (رزية)، وقد عبّر ابن عباس عن حزنه وندمه على فوات الكتابة، ومع ذلك لم ينقل عنه أنه استنكر قول القائل: (أهجر؟)، ولا احتج به في وجه من منعه، مع أنه كان حريصًا على تقرير وجهة نظره، فلو كان في القول قدح في مقام النبوة، لكان إنكاره أولى من غيره، أو على الأقل استثماره كدليل على خطأ من منعه، لكنه لم يفعل.
<br>٤- أن النبي صلى الله عليه وسلم تعافى نسبيًّا لاحقًا بعد تلك الحادثة، واستمر في إعطاء بعض التوصيات، وفي الحديث مع أصحابه. ولم يُعرف أنه قال: &#8220;من قال كذا فقد طعن في نبوّتي&#8221;، أو أنه أنكر عليهم القول. وهذا سكوت في مقام البيان، يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ في ذلك القول ما يستوجب التوبيخ أو العقاب.
<br>وعلى ذلك فإن الثابت أن النبي عليه الصلاة والسلام وأقرب الناس له من الصحابة، لم يُبدوا اعتراضًا على كلمة (أهجر؟)، مما يدل على أن السياق لم يُفهم على أنه طعن في النبوة، بل كان من باب الاستفهام المشوب بالدهشة، وليس من باب الجزم أو الاتهام. والواجب أن يُفهم النص بمراد المتكلم وسياق الحادثة، لا تأويلات لاحقة تُحمّله ما لا يحتمل.
<br>التعليق الثاني: نسبة الكلام لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
<br>بالنظر للروايات السنية لا نجد رواية واحدة صحيحة ولا مرسلة تقول بأن قائل: (هجر) أو (أهجر) هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
<br>وكلمة مثل هذه لو قالها عمر لرواها الكافة عنه، حتى وإن تأولوها، فكون الروايات السنية لا تسمي اسم من قال هذه الكلمة، فبالقطع هو ليس عمر بن الخطاب.
<br>ومثل ذلك نجده أن الكثير من الروايات الشيعية لا تصرح باسم القائل، وبعضها الآخر يصرح باسم سيدنا عمر رضي الله عنه.
<br>ولتفنيد دعاوى الشيعة أقول: 
<br>١- إن منهج الشيعة في الرواية مختلف عن منهج أهل السنة، فعلى الرغم أنه لدى الشيعة الإمامية أسانيد متصلة من حيث الشكل، لكن من حيث منهج التوثيق والتعامل مع الرواة، فهناك فروقات جوهرية تجعل الأسانيد عندهم أضعف معيارًا وأكثر اضطرابًا مقارنةً بما عليه علم الحديث عند أهل السنة. وبيان ذلك: 
<br>من جهة الإسناد: نجد أنه الأصل في عمل الرواية عند أهل السنة والجماعة، على حين أن العمل بالإجماع أو قول المعصوم يغلب في التطبيق عند الشيعة، فلا حاجة للإسناد عند الرواية عن المعصوم.
<br>ومن جهة اتصال السند: يشترط فيه السماع أو الرواية المباشرة المتصلة عند أهل السنة، على حين عند الشيعة يُصرّح بالاتصال أحيانًا، لكن كثيرًا ما يوجد إرسال وانقطاع، ويقبلونه في الفقه والعقيدة. 
<br>ومن جهة الجرح والتعديل: نجد عند أهل السنة الدقة والوضوح عبر علم الجرح والتعديل الدقيق، على حين لا يوجد علم جرح وتعديل منظّم بنفس الدقة عند الشيعة، وغالبًا يُوثَّق الراوي بناءً على موافقته للمذهب أو توثيق المتأخرين، ما أدى ببعضهم إلى أن يقبل روايات الغلاة والمجاهيل إن نقلوا عن المعصوم، ويبررون ذلك بما يسمونه &#8220;تسامح في أدلة السنن&#8221;.
<br>فإذا أضفنا إلى ذلك أن الكثير من الروايات التي أوردها الحكائيون الشيعة منقولة من كتب السنة أنفسهم كالنقل عن المسند وكتب السنن والمعاجم، وهي لا تصرح باسم القائل، نصل إلى نتيجة وهي أن رواية الشيعة في تحديد الاسم لا تسلم من جهة الرواية ولا الدراية، وأنها لا تصح معتمدا.
<br>والحق أن هذه اللفظة (يهجر) لم تنسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أي رواية لا في الصحيحين ولا في غيرهما من كتب أهل السنة كما يدعون، نعم هي ثابتة في الصحيحين وغيرهما لكن ليست عنه رضي الله عنه، والصحيح كما في الروايات الصحيحة أن من قالها هم بعض الحاضرين كما في رواية الشيخين.
<br>٢- يرد على ذلك أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد على عمر رضي الله عنه، ولم يصوبه بالاسم ولم يأخذ منه موقفًا، وإنما خاطب الجميع.
<br>٣- وقعت خلافات بين سيدنا عمر وبعض كبار الصحابة بعد ذلك كخالد بن الوليد، والمؤلفة قلوبهم، وأبي سفيان بن حرب، والعباس بن عبد المطلب، ولم يذكره واحد منهم بما زعم أنه قاله عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي مواطن الخلاف قد تستحضر المثالب.
<br>وحين سماه أبو بكر الصديق خليفة من بعده، ذكر الصحابة تخوفهم من شدته، ولم يذكر واحد منهم قصة المقولة هذه، وقد كانت كافية لتأليب الناس عليه من رافضيه! 
<br>فالسكوت الجماعي من النبي والصحابة قرينة نافية للطعن. 
<br>التعليق الثالث: ماذا كان سيكتب النبي عليه الصلاة والسلام في كتابه: 
<br>اختلفت نظرة الشيعة والسنة في ذلك، فذهب الشيعة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ينص على ولاية علي من بعده، وذهب السنة إلى أن ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم محتمل، يحتمل النص على الخليفة، ويحتمل أمورا أخرى مثل بيان بعض الأحكام.
<br>وأنا سأعلق على ذلك في النقاط التالية: 
<br>١- أورد الشيعة روايات أشرنا إليها أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يسمي خليفته وأنه علي بن أبي طالب، وذكرت بعض روايات السنة أنه أراد أن يسمي أبا بكر نصا لا كناية. 
والصواب خطأ الفكرتين، وذلك لأنه يخالف منهج الشورى في اختيار ولي الأمر الذي أراد النبي والذي وردت به أحاديث أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النص من السابق للاحق سيكون هو سنته، ولا يمكن تغيير هذه السنة. 
<br>الأمر الثاني أن أمر الخلافة من بعده أمر هام جدًّا، ولا يصح أن يؤخره النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما قبل وفاته بأيام، وقد كان عنده متسع من الوقت أن يعين ولي عهده، بل ويجعله يمارس مهام ولاية العهد كما كان يستخلف على المدينة حين يخرج في سفر أو غزو. 
كما أن قول الشيعة هنا يعارض ما ذكروه من قبل أن ولاية العهد لعلي كانت قد تمت بالفعل عند غدير خم ورضي بها الجميع، فلماذا يعيد النبي هذا الأمر مرة أخرى؟! 
<br>والصواب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد مسألة الخلافة، لأنه كان يعلم بالوحي ما سيكون.
<br>قال ابن تيمية رحمه الله في المنهاج: (من جهل الرافضة أنهم يزعمون أن ذلك الكتاب كان كتابه بخلافة علي، وهذا ليس في القصة ما يدل عليه بوجه من الوجوه ولا في شيء من الحديث المعروف عند أهل النقل أنه جعل عليًّا خليفة …ثم يدعون مع هذا أنه كان قد نص على خلافة علي نصًّا جليًّا قاطعًا للعذر، فإن كان قد فعل ذلك فقد أغنى عن الكتاب، وإن كان الذين سمعوا ذلك لا يطيعونه فهم أيضا لا يطيعون الكتاب، فأي فائدة لهم في الكتاب لو كان كما زعموا؟). 
<br>٢- كانت هناك بعض الأمور في الشريعة ما زالت تلتبس على بعض الصحابة، بل على الكثير، وكانوا قد تمنوا أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيها بيانًا أكثر وضوحًا، يغلق باب الاجتهاد فيها. 
<br>فمن ذلك مثلا بعض ما يتعلق بالربا. 
<br>وبعض أحكام الكلالة.
<br>وحكم من شرب الخمر. 
<br>وبعض أمور المواريث كميراث الإخوة من الأبوين مع الإخوة من أم، وميراث الجدة. 
<br>فلعل النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يشرحها بصورة أوضح، بدليل قوله: «لا تضلوا بعده أبدًا» والضلال هنا لا يحتمل إلا معنى الاختلاف؛ لأن الضلال المطلق غير محتمل هنا، حيث لا يوجد كتاب يمنع من وقوع الضلال، ولا حتى القرآن الكريم، حيث إن القرآن ما زال بين يدي الأمة، وما زال يقع الضلال والزيغ، إما بالرد أو سوء الفهم. فلا يبقى إلا ما ذهبنا إليه من تجلية بعض الأمور التي قد تؤدي إلى اختلاف الآراء. 
<br>٣- أن الكتاب لو كان حتميًّا أو مما يجب عليه أن يبلغه لأمته لما تركه النبي صلى الله عليه وسلم، لا لقول عمر بن الخطاب ولا لقول غيره، ولما استطاع أحد مهما بلغ أن يحول بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكتابة، لأن إقداره على البلاغ هو من وعد الله له، والله لا يخلف وعده. 
<br>٤- أن القول بأن النبي كان سيذكر أمرًا لا تحتمله النصوص الموجودة، أو أنه كان سينشئ أمرًا جديدًا، يرد على قوله تعالى: ﴿‌الْيَوْمَ ‌أَكْمَلْتُ ‌لَكُمْ ‌دِينَكُمْ ‌وَأَتْمَمْتُ ‌عَلَيْكُمْ ‌نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، فكيف ينزل النص بالإكمال ثم يأتي الجديد غير المسبوق؟! 
حتى ما جاء في وصيته صلى الله عليه وسلم من إخراج المشركين من جزيرة العرب ومجازاة الوفد، فكله في القرآن. 
<br>التعليق الرابع: قول ابن عباس رضي الله عنهما:
<br>تتفق الروايات السنيّة والشيعية على أن ابن عباس كان يتمنى لو أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب هذا الكتاب، واعتبر ذلك رزية كما تصرح الروايات، وأنه كان أحيانا يبكي على فوات ذلك الكتاب.
<br>وأنا سأعلق على ذلك من وجوه: 
<br>الوجه الأول: ما نقله الرواة من قول ابن عباس: (الرزية كل الرزية) والرزية في اللغة هي المصيبة العظيمة أو البلية الشديدة. وتستخدم لوصف حدث مؤلم ومؤسف يلحق بالإنسان. أصل الكلمة من الفعل &#8220;رزأ&#8221; بمعنى أصاب بمكروه أو ابتلى. ورُزئ فلان أي أصابته مصيبة، وتخفف همزته. 
<br>فمقصود ابن عباس هنا أن ما وقع هو في رأيه مصيبة. 
<br>لكن ما المقصود بالرزية هنا؟ 
<br>الذي قصده ابن عباس هنا هو الاختلاف الذي حدث بين الحضور، بين من يقول: نأتي بالقرطاس. ومن يقول: إن الوجع قد اشتد على النبي صلى الله عليه وسلم والرأفة تقتضي ألا نرهقه، فهذا الاختلاف أدى إلى إعراض النبي عن الكتابة، فاعتبر ابن عباس الاختلاف في هذا الموضع رزية وبلية، بدليل قوله: (الرزية كل الرزية ما حال) ولم يقل (من حال) فهو يشير لمعنى وليس لعاقل، بدليل استعمال (ما). 
<br>الوجه الثاني: لماذا حزن ابن عباس؟ 
<br>ذكر البعض أن ابن عباس اعتبر ذلك مصيبة لأن النبي كان سيعين خليفته، والغريب أن بعض الفريقين السنة والشيعة ذهبوا لذلك، فقد قال ابن تيمية رحمه الله: (وقول ابن عباس رضي الله عنه: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب الكتاب. يقتضي أن هذا الحائل كان رزية وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق أو اشتبه عليه الأمر؛ فإنه لو كان هناك كتاب لزال هذا الشك، فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه). 
<br>وأما الشيعة فيعتبرون مقصود ابن عباس بالرزية هو المنع من تسمية علي في كتاب مخصوص، فيروي السبحاني في الإنصاف مناقشة بين عمر بن الخطاب وابن عباس يقول عمر: (يا ابن عباس أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين، قال: لكنّي أدري. قال: ما هو، يا أمير المؤمنين؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، فتُجْحفوا الناس جحفًا، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت، ووفقت، فأصابت). 
<br>والصواب أن ابن عباس كان طالب علم مجتهد، وطبيعة طالب العلم النهم، وطلب الممنوع، وكان مع صغر سنه يطلب العلم من كافة الصحابة، حتى فاقت رواياته غيره من الصحابة أصحاب الأسنان. فتحسر على فوات فرصة علم جديد، حتى لو كان بيانًا لما سبق.
<br>وابن عباس أعلم من أن يظن اختلاف الصحابة يمنع من واجب البلاغ فيما يتوجب، وإلا كان يتهم النبي ويتهم عصمته. 
<br>ونظير ذلك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا بدأ بنفسه، وقال: «رحمة الله علينا وعلى موسى لو صبر لرأى من صاحبه العجب، ولكنه قال: ﴿‌إِنْ ‌سَأَلْتُكَ ‌عَنْ ‌شَيْءٍ ‌بَعْدَهَا ‌فَلَا ‌تُصَاحِبْنِي ‌قَدْ ‌بَلَغْتَ ‌مِنْ ‌لَدُنِّي﴾ [الكهف: 76]»). 
<br>أي: يرحم الله نبيه موسى أيضا، &#8220;لو صبر&#8221;، أي: تحمل وتمالك نفسه مع الخضر فحبسها على المسير معه إلى آخر رحلته، &#8220;لرأى من صاحبه&#8221;، أي: الخضر، &#8220;العجب&#8221;، أي: أشياء أخرى لم يعتد رؤيتها، &#8220;ولكنه قال: ﴿‌إِنْ ‌سَأَلْتُكَ ‌عَنْ ‌شَيْءٍ ‌بَعْدَهَا ‌فَلَا ‌تُصَاحِبْنِي ‌قَدْ ‌بَلَغْتَ ‌مِنْ ‌لَدُنِّي﴾&#8221;، أي: ألزم نفسه بألا يسأله، ثم سأله؛ فانتهى الأمر بين موسى والخضر. 
<br>فيخرج الكلام مخرج التمني لا مخرج اللوم. 
<br>الوجه الثالث: أن واقع الحال يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن مقدرا له أن يكتب هذا الكتاب بحال، سواء اختلف الناس حوله أو لسبب آخر، وهذا يشبه ما جاء في قصة تحديد ليلة القدر كما جاء في حديث البخاري من رواية عبادة بن الصامت قال: &#8220;خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة»)، ولا يقول قائل: نلوم هذين الصحابيين، أو أنه بسببهما المباشر ضاع على الأمة معرفة ليلة القدر تحديدًا، لكن الصواب أنه لم يكن مقدرًا شرعًا للنبي أن يبلغ هذا القدر من العلم، حتى وإن أحب هو ذلك رأفة بأمته، لا سيما أن ليلة القدر تستحق من الأمة الاجتهاد في تحصيلها، لا الركون للرواية في معرفتها. 
<br>الوجه الرابع: سبب بكاء ابن عباس:
<br>الأغلب أن ابن عباس حين تذكر ذلك اليوم، وهو شاهد عيان وما كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم من شدة، استحضر ذلك عنده مشاعر الفقد فبكى، لا أنه بكى من عظم الجرم كما يصور ذلك بعض الشيعة؛ لأن المقام على تفسيرهم لا يقتضي بكاء بل يقتضي غضبًا وربما نقدًا مباشرًا لمن تسبب في ذلك، وهذا لم يقع.
<br>ومن ذا الذي لا يبكي بل وينتحب حين يتذكر مرضه صلى الله عليه وسلم ومدى حبه ورغبته في خدمة أمته لآخر لحظة، ولا يتأثر بهذا الموقف، فإذا أضفنا لذلك أن ابن عباس كان ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ومن قرابته كان البكاء لتذكّره مبررًا جدًّا. 
<br>وبالجملة لا يصح حمل كلام ابن عباس على ما حمله عليه الشيعة من حسرته على فوات واجب، لأن ذلك لا يطعن فقط في بعض الصحابة، بل يطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، ويجعل منه نبيًّا مسلوب الإرادة، يتحكم فيه بعض أصحابه، وهو الذي عصمه الله سبحانه وتعالى. ويطعن أيضا في دين الشيعة قبل السنة لأن أئمتهم سكتوا وسكنوا على باطل؟ وهم المعصومون، فكيف يكون دين المعصوم فيه نقص؟! 
<br>إن فهم رزية يوم الخميس على أنها طعن في بعض الصحابة أو في تمام تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم يناقض أصول العقيدة، ويفتح بابًا خطيرًا للتشكيك في عصمة النبوة وفي كمال الدين. وإنما الصحيح الذي يشهد له السياق ويؤيده النظر الصحيح، أن ابن عباس رضي الله عنه إنما تأسف على فوات علمٍ كان يرجو أن يُكتب، لا على فوات واجبٍ لم يُؤدَّ، ولا على غلبةٍ من الصحابة على أمر النبي، فحاشاهم وحاشاه. وكان بكاؤه بكاء المحب الصادق الذي تألم لمرض نبيه، وتحسّر على لحظة كان يرجو أن تطول، لا بكاء السخط والاعتراض كما يدعي من لا يعرف مقامات الصحابة ولا يفقه أسرار النبوة.
<br>فهذا الوجه الذي يجمع بين تعظيم مقام النبي، والعدل في حق أصحابه، والفهم السليم لنصوص الوحي والسيرة، هو وحده الذي ينبغي أن يُقدَّم، ويُفهم به حديث الرزية، بعيدًا عن التأويلات المذهبية التي تحمل النصوص على غير وجهها، وتجعل منها ذريعة للقدح في الدين وأهله.
<br>د. خالد نصر

]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>نظرات في غدير خُمٍّ</title>
		<link>https://www.iiis.us/%d9%86%d8%b8%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d8%ba%d8%af%d9%8a%d8%b1-%d8%ae%d9%8f%d9%85%d9%8d%d9%91/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Scholar]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 17 Jul 2025 02:58:16 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.iiis.us/?p=7451</guid>

					<description><![CDATA[  يُعد حديث الغدير من أكثر الأحاديث النبوية إثارة للجدل في تاريخ الفكر الإسلامي، إذ يُمثل نقطة افتراق جوهرية بين الرؤية السنية والشيعية لموضوع الإمامة والخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى الرغم من اتفاق الفريقين على ثبوت أصل الحديث في عدد من مصادرهم، إلا أن الاختلاف العميق يكمن في تفسير مدلوله، وتأويل لفظ...]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[

 

يُعد حديث الغدير من أكثر الأحاديث النبوية إثارة للجدل في تاريخ الفكر الإسلامي، إذ يُمثل نقطة افتراق جوهرية بين الرؤية السنية والشيعية لموضوع الإمامة والخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم. فعلى الرغم من اتفاق الفريقين على ثبوت أصل الحديث في عدد من مصادرهم، إلا أن الاختلاف العميق يكمن في تفسير مدلوله، وتأويل لفظ &#8220;مولى&#8221;، وفهم السياق الذي ورد فيه.
<br>فالشيعة الإمامية يرون في الحديث إعلانًا صريحًا من النبي صلى الله عليه وسلم بولاية علي بن أبي طالب وخلافته من بعده، بينما يرى أهل السنة أن الحديث بيان لفضل عَلِيٍّ ومكانته، دون أن يتضمن نصًّا على إمامته أو تقديمه على سائر الصحابة. ومن هذا المنطلق، تشكل دراسة هذا الحديث مدخلًا لفهم جذور الخلاف العقدي بين المدرستين، وطبيعة الاستدلال التاريخي والنصي الذي استند إليه كل منهما.
<br>في هذا المقال، نحاول أن نستعرض أبرز أوجه الاتفاق والاختلاف حول حديث الغدير، من خلال قراءة متأنية للنصوص، والمواقف التاريخية، بهدف تقديم عرض موضوعي يُسهم في بناء وعي تاريخي وفقهي متوازن بعيدًا عن التشنج والخصومة المذهبية.
<br>أولا: روايات أهل السنة في قصة الغدير:
<br>&#8211; الرواية الأولى (مسلم عن زيد بن أرقم):
<br>قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبًا بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ» فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي».
<br>&#8211; الرواية الثانية (أحمد عن أبي سعيد الخدري):
<br>قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، الثَّقَلَيْنِ، وَأَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، كِتَابَ اللهِ، حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي أَلَا وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ».
<br>وفي رواية: « إِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِتْرَتِي، كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ أَخْبَرَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا بِمَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا».
<br>&#8211; الرواية الثالثة (أحمد عن سعيد بن وهب وزيد بن يثيع):
<br> (نَشَدَ عَلِىٌّ النَّاسَ فِي الرَّحْبَةِ: مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ إِلَّا قَامَ، قَالَ: فَقَامَ مِنْ قِبَلِ سَعِيدٍ سِتَّةٌ، وَمِنْ قِبَلِ زَيْدٍ سِتَّةٌ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِعَلِيِّ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: «أَلَيْسَ اللَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»).
<br>وفي رواية: وزاد فيه: «وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ».
<br>&#8211; الرواية الرابعة (ابن ماجه عن البراء بن عازب):
<br> (أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ فَنَزَلَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَأَمَرَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ: «أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «أَلَسْتُ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَهَذَا وَلِىُّ مَنْ أَنَا مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»).
<br>&#8211; الرواية الخامسة (أحمد من حديث بريدة):
<br> (غزوتُ مع عليٍّ اليمنَ، فرأيت منه جَفْوَةً، فلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرْتُ عليًّا فتنقصته، فرأيت وجه رسول الله يتغير، فقال: «يَا بُرَيْدَةُ، ألستُ أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ»).


<br>&#8211; الرواية السادسة (النسائي عن ميمون أبي عبد الله):
<br> (كنت عند زيد بن أرقم، فجاء رجل من أقصى الفسطاط فسأله عن ذلك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَسْتُ أَوْلَى بالمؤمنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟» قالوا: بلى. قال: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ». قال ميمون: فحدثني بعض القوم عن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ»).
<br>وقد نقل غير واحد من رواة الحديث هذه الروايات باختلاف في الألفاظ، وإن كان المضمون مكرر الروايات التي ذكرناها آنفا، ومن هؤلاء النسائي في السنن الكبرى، وأبو بكر بن أبي عاصم في السنة، والبزار في مسنده المسمى البحر الزخار، وأبو يعلى في المسند، وابن حبان في صحيحه، والطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن الكبرى.
<br>ثانيا: رواية حديث الغدير عند الشيعة:
<br>احتفى الشيعة بقصة الغدير ورووا فيها روايات كثيرة حتى أوصلها المجلسي في بحار الأنوار لأكثر من مائة رواية، وألف فيها الأمينيّ كتابًا من أحد عشر مجلدا سماه (الغدير في الكتاب والسنة والأدب)، وهي واردة في كبار كتب الشيعة ومنها: الكافي للكليني، والاحتجاج للطبرسي، والخصال والأمالي وعيون الأخبار للشيخ الصدوق، والتهذيب والاستبصار للطوسي وغيرها.
<br>١- رواية الطبرسي في الاحتجاج: 
<br>في خطبة طويلة للنبي صلى الله عليه جمع لها الناس عند غدير خم، وفي آخرها قال: «أيها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم.
<br>قال: «إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار».
ثم قال: «ألا فليبلغ الشاهد الغائب». 

<br>٢- رواية طويلة ذكرها الطبرسي في الاحتجاج، والصدوق في الأمالي، والحلي في كشف اليقين وغيرهم. ومختصرها الآتي:
<br>لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خُمّ، نادى: الصلاة جامعة، ثم خطب خطبة رفع فيها صوته، وعيّن علي بن أبي طالب خليفة له من بعده، وقال: «من كنت مولاه، فعليّ مولاه…».
فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقبلنا منك، وأمرتنا بالصلاة والصيام والحج والزكاة، فقبلناها، ثم لم ترضَ حتى رفعتَ بضَبْعِ [بعضد] ابن عمك ففضلته علينا، وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله؟
<br>فقال النبي: «والذي لا إله إلا هو، إنه من الله، وليس مني». فقال الحارث: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.
<br>فما وصل إلى راحلته حتى رجمتْهُ صخرةٌ من السماء فقتلته، فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ۝ لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: 1-2].

<br>٣- روايات أخرى عندهم ولكنها تنص على كلمة (وصي) (إمامكم من بعدي) (ولي كل مؤمن).

<br>ثالثا: مناسبة جمع النبي صلى الله عليه وسلم للناس عند غدير خم: 
<br>وقعت خطبة الغدير بتاريخ ١٨ من ذي الحجة، السنة العاشرة للهجرة في طريق عودة النبي صلى الله عليه وسلم من حجته الأخيرة (حجة الوداع). 
<br>وغدير خم: هو موضع يقع بين مكة والمدينة، قرب مفترق طرق يتفرّع منه المسافرون نحو مختلف الجهات (المدينة، العراق، اليمن). موضع مكشوف، قليل الظلّ، وكان فيه بركة ماء (غدير). 
<br>وكان سبب الخطبة شكوى من عدة صحابة من علي بن أبي طالب حين أرسله الرسول إلى اليمن، فحاز غنائم، ووقع بينه وبين بعض الصحابة سوء فهم بسبب القسمة، وبسبب بعض تصرفات لم تعجب الصحابة، فتكلموا في علي بالسوء، فأراد النبي أن يبين موقفه مما حدث، ويؤكد على ثقته في علي رضي الله عنه.
<br>فمن تلك الروايات التي توضح ذلك:
<br> ١- ما رواه أحمد والنسائي والطحاوي عن بريدة قال: 
<br> (لم يكن أحد من الناس أبغض إلي من علي بن أبي طالب حتى أني أحببت رجلا من قريش لا أحبه إلا على بغض علي، فبعث ذلك الرجل على خيل، فصحبته، وما أصحبه إلا على بغضاء علي، فأصاب سبيًا، فكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث له من يخمسه، فبعث إلينا عليًّا رضي الله عنه، وفي السبي وصيفة من أفضل السبي، فلما خمسه صارت الوصيفة في الخمس، ثم خَمَّسَ فصارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خَمَّسَ فصارت في آل علي، فأتانا ورأسه يقطر، فقلنا: ما هذا؟ فقال: ألم تروا إلى الوصيفة، صارت في الخمس، ثم صارت في آل بيت النبي عليه السلام، ثم صارت في آل علي، وقعتُ عليها، فكتب وبعثني مصدقًا لكتابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما قال علي، فجعلت أقول عليه، ويقول: صدق، وأقول ويقول: صدق، فأمسك بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أَتَبْغَضُ عَلِيًّا؟» فقلت: نعم، فقال: «لَا تُبْغِضْهُ، وَإِنْ كُنْتَ تُحِبُّهُ فَازْدَدْ لَهُ حُبًّا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَنَصِيبُ آلِ عَلِيٍّ فِي الخُمُسِ أَفْضَلُ مِنْ وَصِيفَةٍ»، فما كان أحدٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من عَلِيٍّ. قال عبد الله بن بريدة: والله ما في الحديث بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي).
<br>٢- ما نقله ابن كثير من قصة قسمة حلل البز:
<br>وفيها: لما كانت حجة الوداع رجع علي من اليمن ليدرك الحج مع النبي وساق معه الهدي، فتعجل ليلقى النبي بمكة واستخلف رجلا على الجند، وكان معهم الغنائم، فكسا هذا الرجل الجند حللا من البز الذي حازه علي من اليمن.
<br>فلما رجع الجيش لمكة خرج علي يلقاهم فإذا عليهم الحلل، فقال لنائبه: ويلك ما هذا ؟ فقال الرجل: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا على الناس.
<br>فأمره علي أن ينزع الأثواب من الناس، فاشتكى الجند.
<br>فلما علم النبي قام في الناس خطيبا وقال: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ».
<br>ويفهم من هذه الروايات أنها متعلقة بحادثة متعلقة بسلوك من سيدنا علي رضي الله عنه، فسره بعض الصحابة بصورة خاطئة، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيل هذا الإلباس ويؤكد على مكانة علي رضي الله عنه، ولا علاقة لها بمسألة الخلافة.
<br>رابعا: مناقشة دعاوى الشيعة في قصة غدير خم:
<br>ادعى الشيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس ليعلمهم بولاية علي من بعده، وهذا منقوض بأمور منها:
<br>١- لو أراد النبي أن يعلم الناس بتوليته عليًّا من بعده ويشهد على ذلك، لماذا انتظر الذهاب لمكان بعيد عن مكة، فغدير خُمّ في وادٍ بين مكة والمدينة، تحديدًا في منطقة الجُحفة (تقع شمال مكة، وجنوب المدينة) أي على بعد نحو ١٨٣ كم شمال مكة المكرمة وحوالي ٢٥٠ كم جنوب المدينة المنورة، وهو قريب من طريق الهجرة القديم، وقريب من ميقات الجحفة المعروف الآن باسم &#8220;رابغ&#8221;.
<br>ألم يكن من الأفضل إعلان ذلك في يوم عرفة حيث أكثر من مائة ألف حاج من كل البقاع، وقد خطب خطبة ذكر فيها الكثير من الأمور ولم يذكر موضوع الولاية؟
<br>ألم يكن من الأفضل أيضا أن ينتظر العودة بالناس للمدينة فيخطب في مسجده ويشهد على هذا المهاجرين والأنصار ويأخذ منهم البيعة في حال الحضر والراحة؟
<br>٢- في أمر هام كولاية المسلمين من بعد النبي صلى الله عليه وسلم، هل يصح استعمال جمل محتملة لتعبر عن الاستخلاف؛ مثل «من كنت مولاه فعلي مولاه»، هل كان النبي عاجزًا أن يصرح بلفظ الخلافة صراحة، ويأخذ له البيعة من كبار الصحابة في ذلك الوقت، ويبدأ علي عمله كولي العهد كما هو المتوقع؟ 
<br>وإذا كان الأمر بهذا الوضوح لماذا احتاج كتبة الإمامية تأويل كلمة (مولى) لتعبر عن الولاية؟ 
<br>٣- إذا كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه المقصود بهذا الكلام وشاهد عليه وقبل تحمل أمانة الوصية والخلافة، لماذا لم يحتج على الصحابة بها حين تولى أبو بكر، وساعتها يكون عنده من الشهود المئات ؟
<br>وكيف يسكت علي عن وصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وإن تآمر بعض الصحابة على خلاف ذلك كما يزعم الإمامية؟ هل كان علي بالرجل الضعيف الذي يسكت على حقه وعلى وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمدة خمس وعشرين سنة، تخللها ثلاثة خلفاء غيره؟ 
<br>ولماذا قبل أن يكون واحدًا من ستة بعد استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو يعلم أنه الوصي من قديم وقد زال سلطان أبي بكر وعمر وكان الأمر أسهل مع من بقي؟
<br>أليس في كل ذلك تنقيص من سيدنا علي وأنه ليس أهلا للإمانة التي اختاره النبي لها على زعم الشيعة؟ 
<br>٤- كان الأنصار حضورًا في حادثة الغدير هذه، ولو فهموا منها ولاية علي بن أبي طالب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ليختاروا خليفته، وهم من هم في الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم؟
<br>ولماذا لم يحتجوا على كلام أبي بكر حين ذكرهم أن هذا الأمر لا يصلح إلا في قريش لمكانتها من العرب، لماذا لم يذكروه بولاية علي على مقتضى حادثة الغدير، وساعتها ينتهي الخلاف؟ 
<br>٥- جاء في الروايات الشيعية الكثير من الأخطاء منها:
<br>● قالوا: أنزل الله قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ ‌بَلِّغْ ‌مَا ‌أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67] بمناسبة تردد النبي في تسمية علي بالولاية من بعده فقالوا: نزلت يوم الثامن عشر من ذي الحجة تأمره بتنصيب علي والجهر بذلك، وأن الله يعصمه من خلف المخالف.
<br>وأيدوا ذلك ببعض الروايات التي تدل على ذلك، ومنها رواية عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب. أي في أمر ولايته.
<br>والتحقيق أن عطية بن سعد العوفي معروف بتشيعه وضعفه العلماء ومنهم يحيى بن معين وأحمد والنسائي وغيرهم.
<br>ليس هذا فقط فقد كان يدلس، كان يحدث: حدثني أبو سعيد، ولا يذكر من يقصد، والحقيقة أنه يقصد: أبو سعيد محمد بن السائب الكلبي وهو من المتروكين، فيدلس اسمه مع أبي سعيد الخدري.
<br>وإذا كان أبو سعيد الخدري رضي الله عنه المنسوب إليه الرواية يعلم أن الآية نزلت في ولاية علي، لماذا لم يشهد بهذا وقت تولية أبي بكر وغيره؟ وإذا قلنا: لعله كان خائفا، فلماذا لم يخرج مع علي رضي الله عنه ويقاتل معه في الجمل وفي صفين، ولماذا طلب من الحسين بن علي عليه السلام عدم الخروج للكوفة؟
<br>فهل يصح أن نستدل بقول الراوي ونتجاهل فعله؟!
<br>وكذلك اعتمدوا على رواية الحسين بن حيان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب.
<br>والتحقيق أيضا أن الحسين بن حيان الواسطي ضعيف، ضعفه العقيلي والذهبي وابن حجر، والكلبي قد ذكرنا تضعيف العلماء له، وقال عنه أحمد بن حنبل: أكذب الناس. 
<br>ولذلك نجد أن الطوسي في التبيان ذكر هذه الوجه في سبب نزول الآية مع ثلاثة أوجه أخرى، بل جعله آخر الوجوه.
<br>والصواب أن هذه الآية اختلف في سبب نزولها على أقوال:
<br>&#8211; أنها نزلت بصورة عامة وليست مرتبطة بحدث معين تحفيزا للنبي لإبلاغ الرسالة، كغيرها من الآيات التي تحثه على أداء واجب البلاغ.
<br>&#8211; أنها نزلت حين وجده أحد الكفار منفردًا وأراد أن يقتله، وقال له: يا محمد من يعصمك مني ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله». فسقط السيف من يد الأعرابي… فأنزل الله الآية.
<br>-وقيل: نزلت لأن الله أراد أن يرفع عن الصحابة كلفة حراسته وكانوا يتناوبون على ذلك، فأنزل الله الآية فصرفهم.
<br>&#8211; وقيل: إنها نزلت بسبب اليهود لما قالوا فيه أنه يريد أن يتشبه بعيسى بن مريم وأن يصير حنّانا، فسكت عنهم فأنزل الله الآية.
<br> ● ومن أخطائهم أيضا قالوا: أنزل الله أيضًا بعد تنصيب علي يوم الغدير قوله تعالى ﴿‌الْيَوْمَ ‌أَكْمَلْتُ ‌لَكُمْ ‌دِينَكُمْ ‌وَأَتْمَمْتُ ‌عَلَيْكُمْ ‌نِعْمَتِي ﴾ [المائدة: 3] ومع أن الطوسي نقل ذلك أيضا إلا أنه جعله آخر الوجوه في سبب النزول وذكر قبله أنها نزلت يوم عرفة من ذي الحجة وأن النبي عاش بعدها لربيع. 
<br>وتكاد تطبق كلمة المفسرين على ذلك؛ نقل ذلك مقاتل بن سليمان، ونقله الصنعاني عن قتادة، وذكره الجصاص الرازي، وعلي بن يحيى السمرقندي، ونقله الثعلبي عن الشعبي، ونقل ذلك الماوردي عن ابن عباس وأسماء بنت يزيد، وذكر الواحدي أنها نزلت يوم عرفة، والبغوي في تفسيره ونقل قول ابن عباس: كان في هذا اليوم خمسة أعياد: جمعة وعرفة وعيد لليهود وللنصارى وللمجوس، وذكر نزولها في يوم عرفة ابن عطية في محرره. وهذا ما عليه جمهور المفسرين، حتى من كان يميل للتشيع من المفسرين كالطبرسي، فإنه نقل فيها وجوها؛ منها ما ذكره الشيعة، ولكنه ذكر أيضا أنها نزلت في يوم عرفة، ونقل عن ابن عباس والسدي والجبائي أنه لم ينزل بعدها شيء من الأحكام أو الفرائض، وأن النبي توفي بعدها بواحد وثمانين يومًا.
<br>● ومن أخطائهم أيضا قولهم أن الله أنزل قوله تعالى: ﴿‌سَأَلَ ‌سَائِلٌ ‌بِعَذَابٍ ‌وَاقِعٍ﴾ [المعارج: 1] في الحارث بن النعمان الفهري الذي اعترض على ولاية علي. وهذا خطأ بين من وجوه: 
<br> &#8211; قصة الغدير إنما كانت بعد حجة الوداع بالإجماع، والروايات تقول: إنه لما شاعت قصة الغدير جاء الحارث وهو بالأبطح، والأبطح بمكة، مع أن اللازم أن يكون مجيئه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة.
<br>&#8211; سورة المعارج مكية باتفاق أهل العلم كما نقل ذلك جمهور المفسرين، وكذلك كما يشعر جو السورة.
 <br> -إن قول الحارث بن النعمان المشار إليه في القصة عندهم: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، نزلت عقيب بدر بالاتفاق. وقصة الغدير كانت بعد ذلك بسنين.
<br>&#8211; إن قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ نزلت بسبب ما قاله المشركون بمكة ومنهم النضر بن الحارث وليس الحارث بن النعمان، ولم ينزل عليهم العذاب هناك لوجود النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ‌وَأَنْتَ ‌فِيهِمْ﴾ [الأنفال: 33]، ولو صح رجمهم بالحجارة لكانت آية كآية أصحاب الفيل، ومثلها تتوفر الدواعي على نقله، مع أن أكثر المصنفين في العلم وأرباب المسانيد والصحاح، والفضائل والتفسير والسير، قد أهملوا هذه القضية، فلا تروى إلا بهذا الإسناد المنكر.
<br>&#8211; إن الحارث المذكور في الرواية كان مسلمًا حسبما ظهر في خطابه المذكور مع النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم بالضرورة أن أحدًا من المسلمين لم يصبه عذاب على عهد النبي، بل وقع على بعض من دعا عليهم النبي كأبي زمعة وابن الطلاطلة والحكم بن أبي العاص ومن على شاكلتهم.
<br>&#8211; إن الحارث بن النعمان غير معروف في الصحابة، ولم يذكر في الاستيعاب، ولا ذكره ابن منده، وأبو نعيم وأبو موسى في تآليفهم في أسماء الصحابة.
<br>فالحارث بن النعمان الفهري شخصية غير موثقة من حيث الصحبة، ولا وجود له، لا سيما أن نسبه فهريًّا، أي أنه من قريش، ويصعب وجود فهري قرشي مجهول بين الصحابة في كتب التراجم.
<br>ولا شك أن هذه أخطاء واضحة وتصادم المتفق عليه المستقر مما يطعن في الرواية من جهة المتن. 
<br>٦- استدلال الإمامية بما جاء في الروايات السنية من قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» وأن هذا دلالة على الولاية لأن المولى هو المتصرف. 
<br>وأضافوا إليه أن النبي قد قال لعلي بشهادة روايات العامة (أهل السنة) فيما رواه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي قال لعلي: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى». 
<br>والحق أن هذا من أضعف الاستدلال للآتي: 
<br>&#8211; أن قول النبي صلى الله عليه وسلم وتشبيه مكانة علي منه بمكانة هارون من موسى كان له سياق خاص، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان قد عزم على الخروج لتبوك واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، وكان عَلِيٌّ مريضًا، فأشفق عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد علي الخروج معه للغزو واستشعر مرارة القعود كما جاء في رواية الشيخين أنه قال للنبي: (… أتخلفني في النساء والصبيان؟!)، فرد عليه النبي أن موسى لم يأخذ هارون معه حين ذهب مع القوم لاستلام أمر الله، فالسياق كله سياق تشبيه حال بحال لا حالة بحالة، ولئلا يفهم الكلام خطأ قال النبي: «إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي». فالعلاقة علاقة استخلاف في حال الغياب، لا حال وراثة مكان. كما أن هارون في الواقع لم يرث موسى في الولاية على بني إسرائيل، بل ورثه يوشع بن نون كما هو معروف، وهارون وموسى كلاهما مات في التيه، بل إن هارون مات قبل موسى عليه السلام.
<br>&#8211; أن كلمة مولى في الاستعمال اللغوي محتملة، وتحتمل أكثر من عشرين معنى منها: الرب والمالك والسيد والمنعم والصهر، بل وتعني العبد والتابع، وتعني الحليف وتعني الجار وتعني المحرر من العبودية وغير ذلك. فهل يعقل أن يستعمل النبي صلى الله عليه وسلم المشترك اللفظي في أمر مثل ولاية المسلمين، وهو يعلم أن الناس وأصحاب الأغراض قد يسيئون تفسيره.
<br>على أن وزن (مفعل) لم يأت في العربية بمعنى أفعل، فتكون مولى بمعنى أولى! 
<br>قال تعالى: ﴿‌إِنَّ ‌أَوْلَى ‌النَّاسِ ‌بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: 68]، وظاهر أن هذا لا يعني الذين اتبعوا إبراهيم أولى بالولاية، وإنما المقصود أن إبراهيم أقرب لهؤلاء المذكورين من غيرهم. 
فيكون المعنى هنا منصرفًا للمحبة بدليل أنه قال بعد ذلك: «اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» وهذا يدل على أن الكلام منصرف للمحبة، وإلا كان المعنى أيضا: اللهم وَلِّ من ولاه، فيكون كل من والى عليًّا بموالاته مستحقًّا للحكم والتصرف بدلالة كلمة (وال)! وهذا لا يعقل ولا يصح. 
<br>وقد استعمل النبي كلمة (مولى) مرات أخرى ولم يفهم منها أنه قصد الولاية، لا العامة ولا الخاصة، ومن ذلك: 
<br>ما رواه الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارُ وَأَشْجَعُ مَوَالِىَّ لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ولا يخفى هنا أنه يقصد الحلف.
<br>وكذلك ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي رافع أن النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بعث رجلًا على الصدقة من بني مخزومٍ فقالَ لأبي رافع: اصحَبني كيما تُصِيبَ منها. فقالَ: لا حتَّى آتيَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فأسألُهُ فأتاهُ فسألَهُ فقالَ: «إنَّ الصَّدقةِ لا تحلُّ لَنا أهلَ البيتِ وإنَّ مولَى القومِ من أنفسِهِم»). والمولى هنا هو التابع سواء كان عبدا أو حليفا. 
<br>وهذا ما فهمه كل من سمع الحديث أو سمعه بعد ذلك، ولذلك روى أحمد بسنده عن رياح بن الحارث قال: (جاء رهطٌ إلى عليٍّ بالرَّحْبةِ، فقالوا: السلامُ عليكَ يا مولانا، قال: كيف أكون مولاكم، وأنتم قومٌ عَرَبٌ؟ قالوا: سمِعْنا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ غديرِ خُمٍّ يقول: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» قال رياحٌ: فلما مضَوا تبعتُهم فسألتُ: مَن هؤلاءِ ؟ قالوا: نفرٌ من الأنصارِ فيهم أبو أيوبَ الأنصاريُّ.
<br>ولا يقول عاقل أن قوله تعالى: ﴿‌وَالْمُؤْمِنُونَ ‌وَالْمُؤْمِنَاتُ ‌بَعْضُهُمْ ‌أَوْلِيَاءُ ‌بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، أي رؤساء وزعماء على بعضهم بعضا، بل أحباء.
<br>٧- أن ما يقوله الإمامية هنا يتناقض مع قولهم في موضع آخر فيما يسمونه بـ(رزية الخميس)، وتفصيل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب في مرضه أن يأتوه بكتاب أو قرطاس ليكتب لهم شيئًا &#8220;لن يضلوا بعده&#8221;. فحصل اختلاف بين الحاضرين:
<br>بعضهم قال: &#8220;قرّبوا له الكتاب&#8221;.
<br>وبعضهم قال: &#8220;إن النبي يهجر&#8221;، أي اشتد عليه الوجع ولا يدري ما يقول.
<br>فغضب النبي وقال: «دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه».
<br>قال الشيعة: كان يطلب قرطاسًا ليكتب فيه ولاية علي، فرفض ذلك عمر بن الخطاب وقال ما قال! 
<br>والسؤال: إذا كان النبي قد نص من قبل في حادثة الغدير على ولاية علي على مشهد من مئات الصحابة، وشهدوا كلهم وباركوا لعلي كما ذكرت المصادر الشيعية، فلماذا يكتب كتابا آخر ؟ وهل نسخ الحكم الأول ؟ 
فهذا الاستدلال والاستنباط ينقض مسألة الاتفاق على تسمية علي يوم الغدير. 
<br>8- يرد كذلك على ذلك ما رواه البخاري بسنده عن ابن عباس: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا. قال: فأخذ عباس بن عبد المطلب بيده فقال: أرأيتك؟ فأنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى في مرضه هذا؛ إني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصى بنا، فقال علي: إنا والله إن سألناه فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعده أبدا، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا.
<br>ومع أن الشيعة لا يؤمنون بهذه الرواية، إلا أن الشاهد منها هو: لماذا لم يطلب عليّ أو العباس من النبي صلى الله عليه وسلم صراحةً أن يُولِّي أحدهما مكانه حين مرض، فيتعود الناس على ولايته وهو حيّ؟!
<br>9- إن قصة الغدير بصورتها في التراث الشيعي تُفضي إلى الطعن –والعياذ بالله– في النبي صلى الله عليه وسلم وفي علي رضي الله عنه. وبيان ذلك في النقطتين الآتيتين:
<br>أولًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم -بحسب الرواية الشيعية- قد فشل في دعوته بعد كل تلك السنين، إذ نصّ على خلافة علي وأمر الصحابة بولايته، فلم يكد يموت حتى خالفه جمهورهم، ولم يوفِّ لعلي إلا نفرٌ قليل. فيُروى عندهم: &#8220;ما وفى لعلي إلا أربعة: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمار&#8221;، وفي رواية: &#8220;وخمسة&#8221;، يُضاف إليهم: حذيفة أو خزيمة.
<br>فكيف ينقلب معظم الصحابة على أعقابهم مباشرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، إن لم تكن هذه الأمة شبيهة ببني إسرائيل الذين عصوا أنبياءهم؟!
<br>ثانيًا: أن في الرواية طعنًا في عليّ رضي الله عنه، إذ إنه -بحسب زعمهم- إما أن يكون قد علم بأمر ولايته ولم يطالب بها ولم ينافح عنها، فيكون حينئذ ضعيفًا، والضعيف لا يصلح للإمامة؛ وإما أنه لم يعلم بها، فيكون غافلًا، والغافل لا يصلح لما غفل عنه.
<br>بل نجد في &#8220;نهج البلاغة&#8221; رواية يصرّح فيها علي رضي الله عنه بأنه لما أُريدت منه البيعة بعد استشهاد عثمان قال: &#8220;دعوني والتمسوا غيري&#8221;.
<br>فكيف يقول ذلك، وهو يعلم -على زعمهم- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى إليه بالخلافة صراحة؟!
<br>هذا، والله أعلم، ما تيسّر لنا كتابته في هذه العجالة بخصوص ما جاء في حديث الغدير، وأنه لا يدل لا بلفظه ولا بمعناه على أكثر من المحبة والمناصرة، ولا يثبت بحال أنه نصّ على الخلافة أو الوصية بها.
<br>د. خالد نصر

 


]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>عندما يتحكم الوهم</title>
		<link>https://www.iiis.us/%d8%b9%d9%86%d8%af%d9%85%d8%a7-%d9%8a%d8%aa%d8%ad%d9%83%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%87%d9%85/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Scholar]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 14 Jul 2025 17:55:25 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[مقالات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.iiis.us/?p=7444</guid>

					<description><![CDATA[الوهم: هو تصور ذهني لا يطابق الواقع، ولكنه يبدو لصاحبه صحيحًا. والوهم له صور يتجلى فيها منها: &#8211; الصورة البصريّة: وذلك كرؤية السراب مثلا، فيتوهم الماء على بعد. &#8211; والصورة النفسية: وذلك كمن يشعر أنه مريض وهو ليس كذلك، ونسمي ذلك الوسواس. &#8211; والصورة العقلية: وذلك أن تقنع نفسك بأمور وتعطيها درجة الحقيقة. وهذا النوع...]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[
الوهم: هو تصور ذهني لا يطابق الواقع، ولكنه يبدو لصاحبه صحيحًا.
<br>والوهم له صور يتجلى فيها منها: 
<br>&#8211; الصورة البصريّة: وذلك كرؤية السراب مثلا، فيتوهم الماء على بعد.
<br>&#8211; والصورة النفسية: وذلك كمن يشعر أنه مريض وهو ليس كذلك، ونسمي ذلك الوسواس.
<br>&#8211; والصورة العقلية: وذلك أن تقنع نفسك بأمور وتعطيها درجة الحقيقة.
<br>وهذا النوع الأخير هو أخطر أنواع الوهم؛ لأن الوهم في الصورة الأولى يظهر بطلانه بمجرد التدقيق، وفي الثانية يشعر المريض بمرضه، وهي تؤدي للتردد أكثر من الفعل.
<br>أما الصورة الثالثة فهي صورة خطيرة لأنها تعتمد على الإيمان بصحة المعتقد والتصرف على مقتضى هذا الإيمان. 
<br>لقد عبر أمير الشعراء عن ذلك في قصيدته البائية المشهورة حين قال:
<br>غلبوا على أعصابهم فتوهموا *** أوهام مغلوب على أعصابه 
<br>وأنا هنا سأذكر نماذج عملية على تأثير الوهم الذي ربما يؤدي لكوارث للأفراد والأمم:
<br>النموذج الأول: أوهام عبد الحكيم عامر: 
<br>عبد الحكيم عامر (1919–1967) كان قائدًا عسكريًّا وسياسيًّا مصريًّا بارزًا، وأحد رجال ثورة 23 يوليو 1952. شغل منصب القائد العام للقوات المسلحة ونائب رئيس الجمهورية في عهد جمال عبد الناصر. قاد الجيش المصري خلال حرب 1967، وتحمّل مسؤولية الهزيمة، ما أدى إلى عزله. توفي في ظروف غامضة، قيل إنها انتحار، ولا تزال وفاته موضع جدل حتى اليوم.
<br>سيطر على عبد الحكيم عامر وهم منذ سنة 1956، وذلك أن من يملك التفوق الجوي يكسب المعركة، وأنّ الجندي لا يمكن أن يحارب دون غطاء جوي مستمر.
 <br>وهذا وهم كبير، لإن الحرب العالمية الثانية أثبتت بطلان ذلك الزعم، حيث كان التفوق الألماني في الجو واضحًا في الجبهة الشرقية، حين دمرت قوات اللوفتوافا الألمانية الطائرات الروسية والمطارات في أول الحرب، وبقي الجنود الروس بدون غطاء جوي، ومع ذلك ثبت الروس في مواقعهم على الأرض، واستعملوا كل أدوات الدفاع؛ من المباني المدمرة، ومواسير المجاري الكبيرة، حتى أرهقوا الجيش الألماني السادس الذي استسلم لهم، وبدأت الحرب تسير ضد الألمان حتى انتهت بانتصار روسيا واحتلال برلين.
<br>والتفوق الجوي الكاسح لقوات الحلفاء ضدّ روميل في الصحراء الليبية المفتوحة، لم يمنعه من الانتصار في معارك شهيرة، منها معركة الغزالة التي كانت في صحراء مكشوفة، وواصل تقدمه في صحراء مصر الغربية، ولم يهزمه في النهاية إلا ضعف الإمدادات، ولو أمدّته ألمانيا بما طلب من أسلحة برية لاحتل الشرق الأوسط كله في شهور.
<br>وكذلك الحرب الكورية أثبتت ذلك، حيث لم يفلح التفوق الجوي الأمريكي في القضاء على القوة الصينية التي تدخلت لنجدة كوريا الشمالية.
<br>وكذلك الحرب الفيتنامية الأمريكية التي كانت قد بلغت ذروتها؛ ففي عام 1965 بدأ القصف المكثف لشمال فيتنام (عملية Rolling Thunder) ومع ذلك، لم يستطع الجيش الأمريكي كسر إرادة المقاومة، وهزم في النهاية.
<br>كل هذا وغيره كان معروفًا، ولكن سطوة الوهم العقلي الذي يتحول لدرجة تشبه الإيمان الديني جعلت عبد الحكيم عامر يصدر أمرًا كارثيًّا بانسحاب الجيش المصري كاملا من سيناء وغزة في ليلة واحدة، وذلك بعد أن علم بتدمير الطيران الإسرائيلي لكل المطارات والطائرات المصرية على الأرض في هجوم الساعات الست المشهور سنة 1967.
<br>أصدر عامر الموهوم أمرًا ترتب عليه انهيار الجبهة، وفرار القادة، وتبعثر الجنود في الصحراء، وخروج الأسلحة من خنادقها، وتكدسها على طرق الانسحاب الثلاثة، مما جعلها فريسة سهلة للطائرات، لدرجة أن الصهاينة أرسلوا طيارين تحت التدريب ليتدربوا بصورة عملية وهم في مأمن من المقاومة.
<br>ترك عامر كل سيناء بسهولة شديدة، مع العلم أن الخطة العسكرية الإسرائيلية كانت لا تحلم باحتلال سيناء كاملة، بل المعلن أنها كانت تريد تدمير البنية التحتية العسكرية المصرية في سيناء، وإبعاد خطر الجيش المصري عن حدودها. وإعادة فتح مضيق تيران للملاحة الإسرائيلية (الذي أغلقته مصر قبيل الحرب). وبعض التقارير تقول إنهم كانوا يقدرون التوقف عند جبل لبنى وهو يقع في وسط سيناء، وله موقع إستراتيجي يرتبط بممرات طبيعية تؤدي شرقًا نحو العريش وغربًا نحو قناة السويس. أو على أقصى تقدير الوصول للمضايق، وليس احتلال كل سيناء.
<br>ولكن وهم عبد الحكيم عامر سلم لهم سيناء كاملة، وترك لهم أسلحة ما زالت صالحة منها حوالي 700 دبابة، وأكثر من عشرين طائرة ومئات الشاحنات والسيارات المجهزة، وبعضها استخدم لاحقًا في الجيش الإسرائيلي نفسه بعد إعادة طلائه، ورادارات وأنظمة دفاع جوي، وآلاف من الأسلحة الخفيفة، لدرجة أن بعض المصادر الغربية وصفت هذه الغنائم بأنها &#8220;جيش كامل حصلت عليه إسرائيل دون أن تصنعه أو تشتريه&#8221;.
<br>وهم شخص دمر جيشًا وهزم بلدًا، والغريب أن أكثر القادة كانوا يخالفون هذا الوهم، بل إن الإسرائيليين صعقوا لما علموا بأمر الانسحاب، في الوقت الذي كانت فيه الفرق المصرية ما زالت تقاتل بقوة !! 
<br>وكما قال الشاعر اللبناني إبراهيم المنذر: 
<br>ويُقضى على المرء في أيام محنته *** حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسنِ
<br>النموذج الثاني: وهم لعنة الفراعنة: 
<br>هناك خرافة تقول بأن الفراعنة يلعنون من ينبش قبورهم بعد الموت.
 <br>ولهذه الخرافة أصل، فقد وجد على كثير من القبور المصرية دعوات منسوخة على من ينبشون قبور الملوك. 
<br>وفي القبور المصرية الفرعونية ما يسمى (الرصد) وهو تمثال يقام في مدخل القبر لتخويف اللصوص، حيث كانوا يتوهمون أنه مزود بالروح وبالسلاح، وأنه يقتل من يدخل القبر بدون استئذان. 
<br>والغريب أنه بعد اكتشاف مقبرة الملك الذهبي توت عنخ آمون، حدثت عدة حوادث أكدت هذا الوهم.
<br>كان اللورد كارنارفون من المولعين بالآثار المصرية، وقد سمح له غناه أن ينفق على الحفريات بسخاء، فكلف المستر هوارد كارتر أن يحفر في (وادي الملوك) بالأقصر عساه يهتدي إلى مقبرة لم يهتد إليها اللصوص في العصور الخوالي.
<br>وبعد متاعب عثر المستر كارتر على مقبرة توت عنخ آمون في سنة 1922. ولكن حدثت عدة حوادث غذت الخرافة منها:

<br> 1. اللورد كارنارفون: 
<br>أبرق إليه المستر كارتر فحضر على عجل ليشهد الكشف الجديد، وبعد أيام لسعته بعوضة وهو نائم في خيمة بجوار المقبرة فمات.
<br>2- انقطع التيار الكهربائي في القاهرة لحظة وفاته.
<br>3- المليونير الأمريكي جورج جاي جولد أصابته حمى شديدة بعد زيارته المقبرة، ثم توفي في فرنسا لاحقًا.
<br>4- دكتور أرشيبالد دوجلاس أخصائي الأشعة الذي فحص مومياء توت عنخ آمون، توفي بسبب الحمى أيضا قبل أن ينتهي من تقريره.
<br>5- السير إيفلين وايت الأخ غير الشقيق للورد كارنارفون، وكان على صلة بالمقبرة. انتحر بعد إصابته بعمى جزئي وحالة اكتئاب حاد.
<br>كتب قبل انتحاره رسالة قيل إنها تحتوي على عبارة: &#8220;لقد استسلمت للعنة&#8221;.
<br>6- آرثر ميس مساعد هوارد كارتر في التنقيب: توفي سنة 1928 بعد معاناة طويلة مع مرض عصبي غامض.
<br>وجاءت وفاته بعد تدهور صحته فور دخوله المقبرة.
<br>وقد تتبعت الصحف حياة بعض من زار المقبرة وركزت على ما وقع لهم للتركيز على فكرة لعنة الفراعنة، فمثلا الأمير علي كمال فهمي قُتل على يد زوجته الفرنسية في فندق &#8220;سافوي&#8221; بلندن بعد زيارته المقبرة، فربط ذلك بلعنة الفراعنة.
<br>والغريب أن كل هذه الحوادث لها ما يبررها طبيًّا، مثل ما ذكره بعض العلماء عن تأثر بعض هؤلاء بالهواء الفاسد الذي في المقبرة، وكذلك المشاهد المخيفة التي قد تؤدي لاضطرابات نفسية.
<br>لكن وهم لعنة الفراعنة سار بين الناس، لا سيما أنه يعتمد في جملته على جزء غيبي، وهو محبب لعقول كثير من الناس.
<br>ولا يسأل هؤلاء، أين كانت لعنة الفراعنة حين غرق جيش فرعون كاملا؟ وأين كانت لعنة الفراعنة حين احتل الإسكندر مصر؟ ومن بعده الرومان؟ وأين كانت لعنة الفراعنة حين سرقت المقابر الفرعونيّة ومنها أكثر من 32 ألف قطعة موجودة في دول العالم؟
<br>والغريب أن وهم لعنة الفراعنة صدقه الجميع بما فيهم الأميرة الإنجليزية ماري ابنة جورج الخامس، والتي كان اللورد كارنارفون أهدى إليها عقدًا من العقود المأخوذة من المقبرة ففرحت به فرحًا عظيمًا، فلما سمعت أن بعوضة لسعته فمات نزعت العقد من جيدها لئلا تلحقها لعنة الفراعنة.
<br>والغريب أيضا أن فكرة لعنة الفراعنة انتقلت لشعوب أخرى بنفس الطريقة، فمن ذلك مثلا قصة قبر تيمورلنك، فيقال إنه عندما فتح السوفييت قبر تيمورلنك في أوزبكستان عام 1941، وجدوا نقشًا على قبره يقول:
 <br>&#8220;من يفتح قبري سيطلق العنان لغازٍ أشد تدميرًا مني&#8221;.
<br>وللمصادفة أنه بعد أيام من فتح القبر، اجتاحت ألمانيا النازية الاتحاد السوفيتي (عملية بارباروسا). وربط الناس الحادثة بوهم &#8220;اللعنة&#8221;، رغم أن الهجوم كان مخططًا له مسبقًا من شهور كثيرة.
<br>وزاد من ذلك أنه حين أُعيد دفن تيمور وفقًا للطقوس الإسلامية، بعد مدة بدأت معركة ستالينغراد التي هزم فيها الألمان، فزادت الأسطورة.
<br>الوهم كثيرا ما يُمنَح في الأذهان درجة &#8220;الحقيقة&#8221; رغم أنه ليس سوى تصور خاطئ أو مُضخَّم أو متخيل. 
<br>ومن الأوهام كثيرة الدوران بين الناس الآن مثلا: 
<br>&#8211; وهم ادعاء المعرفة الكاملة للأشياء، والاعتقاد بأننا نعرف كل ما يلزم عن موضوعٍ ما، أو عدة موضوعات، لا سيما بين طائفة رجال الدين والسياسيين.
<br> وهم الاستثناء حين يظن الإنسان أنه مختلف عن جملة البشر، وأن ما يصيب الآخرين لا يمكن أن يصيبه، وكثيرًا ما يحدث هذا مع الطغاة؛ فمثلا لويس الرابع عشر كان يحكم بما يعرف في أوروبا بالحق الإلهي وكان يقول: &#8220;أنا الدولة&#8221;، وتم التعامل مع معارضته كمعصية لله.
<br>وكل طاغية يقول : أنا لست فلان ودولتي غير دول كذا وكذا , حتى يقع عليه وعلى نظامه ما توهمه مستحيلا.
<br>&#8211; وهم الجاذبية وهو وهم يصيب الرجال والنساء على السواء؛ فيتوهم صاحبه أنه جذاب لأي طرف ويتصرف على هذا الأساس فيظن أن شخصًا يبادله المشاعر لمجرد أنه يبتسم له أو يعامله بلطف.
<br>أو يعتقد أن زميلته تحبه لمجرد أنها تتحدث معه بأدب، والعكس.
<br>&#8211; وهم نظرية المؤامرة، وأن العالم يتحكم فيه مجموعة قليلة، يرسمون سياسته وحاضره ومستقبله، ولا حيلة مع هؤلاء لأنهم يتحكمون في كل أسباب الفعل والقوة.
<br>&#8211; وهم  المهدي المنتظر الذي سيأتي في لحظة ما ليعيد العدل، ويملأ الأرض عدلًا بعدما ملئت جورًا، ويصنع على مقتضى هذا الوهم ما لم يصنعه النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم.
<br>ولكن أسوأ هذه الأوهام في الفترة الأخيرة ما ينشره الكثير قصدًا أو جهلًا أو ترديد ببغاء !! 
<br>وهم تفوق إسرائيل: 
<br>وذلك بالاعتقاد أن إسرائيل:
<br> ●لا تُقهر عسكريًّا.
<br>●تسبق العرب علميًّا وتقنيًّا بمئات السنين.
<br>●تسيطر على العالم إعلاميًّا واقتصاديًّا.
<br>●تخترق كل الأنظمة، وتعلم كل شيء، ولا يُخطئ لها جهاز.
<br>هذا الوهم يُشبه من حيث البنية النفسية &#8220;أسطورة التفوق الآري&#8221; أو &#8220;أسطورة الجيش الذي لا يُهزم&#8221;، لكنه في هذه الحالة معكوس: يتبناه الخصم نفسه عن عدوه، في إطار جلد الذات وتضخيم الآخر، فنرى من يسوق لهذا من العرب والمسلمين أكثر من الصهاينة، بل إننا نجد كثيرًا من كتاب الصهيونية يحذرون من الضعف والانقسام ومظاهر الأفول، وبعض قومنا يتوهمهم بقدرة الإله الذي لا حيلة معه سوى التسليم القدري الكوني، وهذا في ظني هو من جملة ( العلو الكبير) المذكور في القرآن؛ لأن النصر والهزيمة حالة نفسية قبل أن تكون حالة جسدية.

<br>وهو كما قال صاحبي شاعر الدنيا:
<br>ومن صحبَ الدنيا طويلًا تقلبتْ  ***  على عينه حتى يرى صدقَها كذبًا 
<br>فلله الأمر من قبل ومن بعد.
<br>د. خالد نصر
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
