لقد أصبح هذا الموضوع محل نقاش واسع في الآونة الأخيرة في أمريكا الشمالية، خاصة بعد الفتوى الصادرة عن المجمع الفقهي بأمريكا الشمالية، والذي كنت عضوًا فيه لثلاثة سنوات قبل ان أتقدم باستقالتي من عضويته، هذه الفتوى التي أجازت –بشروط- استخدام أموال الزكاة في بعض السياقات المرتبطة بالحملات السياسية.
وسأعرض تقييمًا تحليليًّا منظمًا على ثلاثة مستويات:
1. الأساس الذي اعتمدت عليه الفتوى المجيزة.
2. الاعتراضات العلمية والمنهجية عليها.
3. تقييم فقهي تحليلي.
أولًا: الأساس الذي اعتمدت عليه الفتوى المجيزة (بحسب طرح أصحابها):
ترى الفتوى أن الزكاة يجوز صرفها في العمل السياسي إذا كان ذلك يخدم مصالح إسلامية معتبرة للجالية المسلمة، خصوصًا في حالة الأقليات المسلمة في الولايات المتحدة.
الأسس الفقهية التي اعتمدوا عليها:
أ- توسيع سهم «في سبيل الله»:
اعتبروا أن المشاركة السياسية (مثل دعم مرشحين أو أنشطة ضغط ومناصرة) تدخل في حماية الحقوق في الحريات الدينية ومصالح المسلمين، وبالتالي تندرج تحت مفهوم «في سبيل الله».
وقد ذهبت بعض مؤسسات الزكاة المعاصرة في أمريكا الشمالية إلى اعتبار أن الدفاع عن الحقوق المدنية والعمل المجتمعي يدخل ضمن مصارف الزكاة بناءً على هذا الفهم.
وهذا يعكس توجهًا معاصرًا في فقه الأقليات يميل إلى تفسير «في سبيل الله» تفسيرًا مؤسسيًّا موسعًا، بحيث لا يقتصر على المعنى العسكري (الجهاد بنوعيه؛ الدفع والطلب).
ب- الاستناد إلى سهم «المؤلفة قلوبهم»:
استندوا كذلك إلى سهم «المؤلفة قلوبهم»، والذي شمل تاريخيًّا صورًا من التأليف السياسي، وبناء التحالفات، ودرء العداوة.
كما حدث مع صفوان بن أمية مثلا.
وقد ربط بعض الخطاب الفقهي المعاصر بين هذا السهم وبين الانخراط السياسي وبناء التحالفات في السياق المدني.
وعليه، فإن دعم جهات أو شخصيات سياسية تحمي حقوق المسلمين يعد وفق تصورهم من باب المصلحة المظنونة في العاجل والآجل.
ج- منطق فقه الأقلية:
بما أن المسلمين في الولايات المتحدة لا يملكون سيادة سياسية، فإن التأثير عبر الانتخابات يعد شكلًا من أشكال الدفاع الجماعي.
وعليه، تصبح المشاركة السياسية نظيرًا وظيفيًّا وبديلا عمليًّا لحماية الجماعة وتمكينها.
ثانيًا: أبرز الاعتراضات العلمية والمنهجية:
يرفض عدد من العلماء ومنهم نقاد بارزون في أمريكا الشمالية وأنا منهم هذا القول، كما أنه يتصادم مع ما استقرت عليه الشريعة ممثلة في المذاهب الأربعة.
وتندرج اعتراضاتهم تحت محاور فقهية دقيقة:
1- الإخلال بشرط التمليك:
الأصل في توزيع الزكاة عند جمهور الفقهاء:
• وجود مستحق معيَّن.
• وتحقيق التمليك الفعلي له.
وأموال الحملات السياسية هي نفقات مؤسسية، وليست تمليكًا مباشرًا لمستحق من مصارف الزكاة.
2- التوسع المفرط في تفسير «في سبيل الله»:
كثير من الفقهاء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي قصروا هذا السهم على:
الجهاد بالدفاع المباشر أو ما كان من جنس القتال المشروع.
والتوسع ليشمل الحملات الانتخابية يهدد هذا المفهوم المستقر.
3- انهيار الحدود بين المصارف:
إذا اعتُبر العمل السياسي داخلًا في الزكاة، فسيشمل ذلك:
• الضغط السياسي.
• الحملات الإعلامية.
• مراكز الأبحاث.
• التأثير الجيوسياسي.
• بل وحتى الناخبين أنفسهم.
وبذلك تتحول الزكاة إلى صندوق تمويل سياسي إستراتيجي، مما يؤدي إلى حرمان المستحقين الحقيقيين من حقوقهم.
4- الغرر المعنوي وعدم اليقين.
الحملات السياسية:
• نتائجها غير مضمونة.
• نفعها غير مباشر.
• أثرها احتمالي.
بينما الزكاة تتعلق بحق معلوم ومستقر لمستحق معين.
5- تشويه المقاصد:
الوجهة القرآنية للزكاة هي إعادة التوزيع الاجتماعي لصالح الفئات الضعيفة.
واستخدامها في المنافسة السياسية ينقلها من وظيفة الرعاية الاجتماعية إلى وظيفة تحصيل النفوذ.
وهذا يشكل إعادة تعريف بنيوية لوظيفة الزكاة.
6- إشكال النية:
حتى على القول بجواز إعطاء الزكاة لبعض المؤسسات الإسلامية -وهو قول لا أتبناه- فإن ذلك مشروط بوجود نية معتبرة شرعًا تدخل تحت سهم «في سبيل الله» كحال المدارس الإسلامية والمساجد والمؤسسات الدعوية.
أما في السياق السياسي، فإن المؤسسات أو الجهات السياسية لا تنطلق من نية شرعية تعبُّدية، ولا تنشأ بقصد إسلامي ديني، فلا يصح إدخالها تحت هذا السهم.
ثالثًا: التقييم الفقهي التحليلي:
من حيث التحليل الفقهي البحت:
هذه الفتوى ليست فقط توسعية، بل هي توسع بالغ.
نظام الزكاة تشريع تعبدي محدد المصارف بنص قطعي، وليس آلية مفتوحة لتحقيق المصالح العامة.
ومتى تحولت مصارفها إلى أدوات وظيفية إستراتيجية، فقدت بنيتها المنضبطة، وضاعت حقوق المستحقين الحقيقيين لصالح قضايا غير منضبطة.
ومن منظور أصولي:
هذا ليس توسعا في التطبيق، بل إعادة تعريف للماهية.
ومع أنه قد يُفهم القول المجيز في إطار «السياسة الشرعية»، لكنه ضعيف من جهة الفقه التحليلي التقليدي وحتى المقاصدي الذي لا يجيز تغيير القواعد الثابتة.
الموقف المتوازن:
1. لا يجوز استخدام الزكاة في الحملات السياسية مباشرة.
2. يجوز تمويل العمل السياسي من الصدقات العامة، والأوقاف، والتبرعات غير المقيدة بالزكاة.
3. يجوز صرف الزكاة في الجهاد بشقيه: القتالي والبياني، تحت مسمى الجهاد، لا تحت مسمى الدعوة العامة.
وأخيرًا أذكر بما ذهب إليه الحنفية، ورواية في الشافعية والحنابلة، من أن سهم «المؤلفة قلوبهم» قد نُسخ أو عُطّل بعد قوة الإسلام، فلا يبقى معمولًا به.
هذا والله أعلم.
المفتي: د خالد نصر
وسأعرض تقييمًا تحليليًّا منظمًا على ثلاثة مستويات:
1. الأساس الذي اعتمدت عليه الفتوى المجيزة.
2. الاعتراضات العلمية والمنهجية عليها.
3. تقييم فقهي تحليلي.
أولًا: الأساس الذي اعتمدت عليه الفتوى المجيزة (بحسب طرح أصحابها):
ترى الفتوى أن الزكاة يجوز صرفها في العمل السياسي إذا كان ذلك يخدم مصالح إسلامية معتبرة للجالية المسلمة، خصوصًا في حالة الأقليات المسلمة في الولايات المتحدة.
الأسس الفقهية التي اعتمدوا عليها:
أ- توسيع سهم «في سبيل الله»:
اعتبروا أن المشاركة السياسية (مثل دعم مرشحين أو أنشطة ضغط ومناصرة) تدخل في حماية الحقوق في الحريات الدينية ومصالح المسلمين، وبالتالي تندرج تحت مفهوم «في سبيل الله».
وقد ذهبت بعض مؤسسات الزكاة المعاصرة في أمريكا الشمالية إلى اعتبار أن الدفاع عن الحقوق المدنية والعمل المجتمعي يدخل ضمن مصارف الزكاة بناءً على هذا الفهم.
وهذا يعكس توجهًا معاصرًا في فقه الأقليات يميل إلى تفسير «في سبيل الله» تفسيرًا مؤسسيًّا موسعًا، بحيث لا يقتصر على المعنى العسكري (الجهاد بنوعيه؛ الدفع والطلب).
ب- الاستناد إلى سهم «المؤلفة قلوبهم»:
استندوا كذلك إلى سهم «المؤلفة قلوبهم»، والذي شمل تاريخيًّا صورًا من التأليف السياسي، وبناء التحالفات، ودرء العداوة.
كما حدث مع صفوان بن أمية مثلا.
وقد ربط بعض الخطاب الفقهي المعاصر بين هذا السهم وبين الانخراط السياسي وبناء التحالفات في السياق المدني.
وعليه، فإن دعم جهات أو شخصيات سياسية تحمي حقوق المسلمين يعد وفق تصورهم من باب المصلحة المظنونة في العاجل والآجل.
ج- منطق فقه الأقلية:
بما أن المسلمين في الولايات المتحدة لا يملكون سيادة سياسية، فإن التأثير عبر الانتخابات يعد شكلًا من أشكال الدفاع الجماعي.
وعليه، تصبح المشاركة السياسية نظيرًا وظيفيًّا وبديلا عمليًّا لحماية الجماعة وتمكينها.
ثانيًا: أبرز الاعتراضات العلمية والمنهجية:
يرفض عدد من العلماء ومنهم نقاد بارزون في أمريكا الشمالية وأنا منهم هذا القول، كما أنه يتصادم مع ما استقرت عليه الشريعة ممثلة في المذاهب الأربعة.
وتندرج اعتراضاتهم تحت محاور فقهية دقيقة:
1- الإخلال بشرط التمليك:
الأصل في توزيع الزكاة عند جمهور الفقهاء:
• وجود مستحق معيَّن.
• وتحقيق التمليك الفعلي له.
وأموال الحملات السياسية هي نفقات مؤسسية، وليست تمليكًا مباشرًا لمستحق من مصارف الزكاة.
2- التوسع المفرط في تفسير «في سبيل الله»:
كثير من الفقهاء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي قصروا هذا السهم على:
الجهاد بالدفاع المباشر أو ما كان من جنس القتال المشروع.
والتوسع ليشمل الحملات الانتخابية يهدد هذا المفهوم المستقر.
3- انهيار الحدود بين المصارف:
إذا اعتُبر العمل السياسي داخلًا في الزكاة، فسيشمل ذلك:
• الضغط السياسي.
• الحملات الإعلامية.
• مراكز الأبحاث.
• التأثير الجيوسياسي.
• بل وحتى الناخبين أنفسهم.
وبذلك تتحول الزكاة إلى صندوق تمويل سياسي إستراتيجي، مما يؤدي إلى حرمان المستحقين الحقيقيين من حقوقهم.
4- الغرر المعنوي وعدم اليقين.
الحملات السياسية:
• نتائجها غير مضمونة.
• نفعها غير مباشر.
• أثرها احتمالي.
بينما الزكاة تتعلق بحق معلوم ومستقر لمستحق معين.
5- تشويه المقاصد:
الوجهة القرآنية للزكاة هي إعادة التوزيع الاجتماعي لصالح الفئات الضعيفة.
واستخدامها في المنافسة السياسية ينقلها من وظيفة الرعاية الاجتماعية إلى وظيفة تحصيل النفوذ.
وهذا يشكل إعادة تعريف بنيوية لوظيفة الزكاة.
6- إشكال النية:
حتى على القول بجواز إعطاء الزكاة لبعض المؤسسات الإسلامية -وهو قول لا أتبناه- فإن ذلك مشروط بوجود نية معتبرة شرعًا تدخل تحت سهم «في سبيل الله» كحال المدارس الإسلامية والمساجد والمؤسسات الدعوية.
أما في السياق السياسي، فإن المؤسسات أو الجهات السياسية لا تنطلق من نية شرعية تعبُّدية، ولا تنشأ بقصد إسلامي ديني، فلا يصح إدخالها تحت هذا السهم.
ثالثًا: التقييم الفقهي التحليلي:
من حيث التحليل الفقهي البحت:
هذه الفتوى ليست فقط توسعية، بل هي توسع بالغ.
نظام الزكاة تشريع تعبدي محدد المصارف بنص قطعي، وليس آلية مفتوحة لتحقيق المصالح العامة.
ومتى تحولت مصارفها إلى أدوات وظيفية إستراتيجية، فقدت بنيتها المنضبطة، وضاعت حقوق المستحقين الحقيقيين لصالح قضايا غير منضبطة.
ومن منظور أصولي:
هذا ليس توسعا في التطبيق، بل إعادة تعريف للماهية.
ومع أنه قد يُفهم القول المجيز في إطار «السياسة الشرعية»، لكنه ضعيف من جهة الفقه التحليلي التقليدي وحتى المقاصدي الذي لا يجيز تغيير القواعد الثابتة.
الموقف المتوازن:
1. لا يجوز استخدام الزكاة في الحملات السياسية مباشرة.
2. يجوز تمويل العمل السياسي من الصدقات العامة، والأوقاف، والتبرعات غير المقيدة بالزكاة.
3. يجوز صرف الزكاة في الجهاد بشقيه: القتالي والبياني، تحت مسمى الجهاد، لا تحت مسمى الدعوة العامة.
وأخيرًا أذكر بما ذهب إليه الحنفية، ورواية في الشافعية والحنابلة، من أن سهم «المؤلفة قلوبهم» قد نُسخ أو عُطّل بعد قوة الإسلام، فلا يبقى معمولًا به.
هذا والله أعلم.
المفتي: د خالد نصر
