سؤالك يتعلق بباب في الفقه السياسي وفقه الدعوة، وهو: العلاقة بين المقاصد والوسائل، وحدود الترخص بدعوى درء المفسدة أو جلب المصلحة.
وسأجيب عليه بطريقة تأصيلية:
١- المسألة أصوليا:
في أصول الفقه هناك قواعد حاكمة لمثل هذه الأمور منها:
– الوسائل لها أحكام المقاصد.
فالوسيلة المحرمة لا تصير مباحة لمجرد دعوى حسن القصد، إلا إذا دخلت في باب الضرورة أو الحاجة المعتبرة.
فلا يصح مثلا أن يسرق إنسان بدعوى إطعام الفقراء والمساكين.
– الضرورات تبيح المحظورات بقدرها.
فالضرورة تقدر بقدرها، ولا يتوسع فيها بلا ضابط، وإلا تحولت لمعيار شخصي نفعي، كما أن الضرورة لا بد أن تكون مستقيمة ومستقرة.
– درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض، والمفاسد هنا تقدر بحسب ضررها.
– لا يزال منكر بمنكر أكبر منه وإلا زادت المنكرات وتأصلت.
فهذه القواعد ونظائرها تمنع تحويل المقاصد إلى مظلة فضفاضة تبتلع الأحكام الشرعية والنصوص التفصيلية.
ثانيًا: المشاركة السياسية ودعم مرشح مقابل تأييد أجندات محرمة:
ينبغي هنا التفريق بين عدة صور:
– العمل السياسي المشروع:
كالتسجيل والتصويت والترشح والنشاط في العمل المدني بهدف السعي لتقليل الضرر على المسلمين.
فهذا في ذاته مباح، بل قد يكون مطلوبا إذا كان يحقق مصلحة معتبرة.
– التحالف السياسي التكتيكي:
كأن يدعم مرشحًا أقل ضررًا دون تبني أجندته المحرمة، مثل أن تدعم مرشحًا يساريًّا أو ليبراليًّا يدافع عن حقوق الأقليات الدينية مع كونه يدافع عن أمور ينكرها الدين أيضا.
فهذا يدخل في باب ارتكاب أخف الضررين، بشرط عدم الإقرار العلني بالباطل المخالف لتعاليم الدين.
– تبنى أو مناصرة محرم شرعا (مثل دعم تشريعات تخالف القطعيات) ومثل بعض الأمثلة التي وردت في السؤال.
فهنا ننتقل من تقليل ضرر إلى تطبيع منكر.
ولا يجوز تبرير هذا بعبارة خدمة الإسلام لأن خدمة الدين لا تكون بنقض حدوده القطعية.
ولا يجوز نصرة الدين بنصرة ما يخالفه.
والقاعدة المهمة هنا:
نحن نتعامل مع واقع مفروض نحتاط لتقليل ضرر ولا نعيد تعريف الحلال والحرام تحت ضغط الواقع.
ثالثا: تنزيل الأصول على الواقع:
بالنسبة للأصول العامة التي ذكرتها، لا بد لها من تنزيل على وقائع ونوازل معينة:
فمثلا:
– قضية دعم مؤسسات المثليين في مقابل الحصول على دعمهم لقضايا تخص المسلمين:
أما من جهة الإقرار فلا يجوز بحال بل هو كبيرة من الكبائر.
وأما من جهة الاستفادة مما لديهم من لوبيات وقوة تأثير على الأحزاب والسياسيين والإعلام، فلا يمتنع أن نستفيد لقضايا المسلمين من كل دعم غير مشروط.
– قضية العمل في السينما لتحصيل شهرة مؤثرة في المجتمع:
الهدف في ذاته جيد ولكن العمل في السينما فيه محاذير والمسألة ليست في الشهرة فقط بل متعلقة أيضا بطبيعة المحتوى، وطبيعة الأدوار، وطبيعة الرسالة.
ولا شك أن الإعلام أداة مهمة ومؤثرة ومنها السينما لكن الإشكال يقع عندما:
يُجبر الإنسان على تمثيل ما يخالف عقيدته أو يروج لمفاهيم تخالف القطعيات أو يدخل في بيئة تذيب هويته تدريجيا فتتحول الوسيلة إلى غاية، ويبرر ما يقع فيها من مخالفة لدفع مخالفة فنقع في الدور.
كما أن الشهرة بذاتها ليست مقصودًا شرعيًّا، بل قد تكون فتنة والتأثير لا يبرر التنازل العقدي أو الأخلاقي.
وكما ورد عن السيد المسيح (ماذا ينفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه).
رابعا: المكر في القرآن:
المكر في القرآن نسب إلى الله على وجه الجزاء والمقابلة، لا كمنهج بشري مفتوح.
أما أن يتخذ التحايل على الأحكام أو تجاوز النصوص تحت عنوان المكر في سبيل الله، فهذا أقرب إلى فقه الحيل المذمومة منه إلى السياسة الشرعية.
فالسياسة الشرعية تضبطها النصوص القطعية والمقاصد المعتبرة وتقدير المآلات الواقعي لا المتخيل.
خامسا: تأثير نمط التفكير الغربي على الحاكمية:
بالنظر إلى طبيعة فلسفة الحياة في المجتمعات الغربية نجد أنها تحولت إلى عنصرين أساسيين:
• مركزية الإرادة الفردية: وذلك في صورة الحرية المطلقة أو المنفلتة.
• تصور الإنسان كصانع للمعنى بلا قيود مرجعية وذلك بالتخلص من ربقة الأديان والأخلاق والقيم المتوارثة، بل والفلسفات المستقرة.
على حين أن الرؤية الإسلامية قائمة على أصول منها:
• أن الحرية مقيدة بالوحي.
• الهوية ليست مشروعا ذاتيا صرفا.
• النجاح ليس معيارا كافيا للصواب الأخلاقي أو القيمي
والخطر الحقيقي حين تنتقل هذه الفلسفة الغربية التطبيقية إلى المجال الديني فيصير المبدأ:
يمكنك إعادة تعريف الإسلام بما يناسبك أو بما يمليه الواقع. فهنا ننتقل من الاجتهاد إلى التفلت وما نلبث حتى نُوجِد دينًا جديدًا يقوم على مبدأ النفعية والمصلحة المظنونة.
وعلى ذلك:
فليس كل انخراط في بيئة تخالف ما نعتقده حرامًا بالمطلق، وليس كل من دخل السياسة أو الإعلام باع دينه.
ولكن هناك شروط عامة هي:
• ألا تتحول المصلحة المتوهمة إلى ناسخ للقطعيات.
• ألا تتحول الضرورة إلى نمط دائم.
• وألا يعاد تعريف المعروف والمنكر تحت ضغط الثقافة المحيطة.
المفتي: د خالد نصر
وسأجيب عليه بطريقة تأصيلية:
١- المسألة أصوليا:
في أصول الفقه هناك قواعد حاكمة لمثل هذه الأمور منها:
– الوسائل لها أحكام المقاصد.
فالوسيلة المحرمة لا تصير مباحة لمجرد دعوى حسن القصد، إلا إذا دخلت في باب الضرورة أو الحاجة المعتبرة.
فلا يصح مثلا أن يسرق إنسان بدعوى إطعام الفقراء والمساكين.
– الضرورات تبيح المحظورات بقدرها.
فالضرورة تقدر بقدرها، ولا يتوسع فيها بلا ضابط، وإلا تحولت لمعيار شخصي نفعي، كما أن الضرورة لا بد أن تكون مستقيمة ومستقرة.
– درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض، والمفاسد هنا تقدر بحسب ضررها.
– لا يزال منكر بمنكر أكبر منه وإلا زادت المنكرات وتأصلت.
فهذه القواعد ونظائرها تمنع تحويل المقاصد إلى مظلة فضفاضة تبتلع الأحكام الشرعية والنصوص التفصيلية.
ثانيًا: المشاركة السياسية ودعم مرشح مقابل تأييد أجندات محرمة:
ينبغي هنا التفريق بين عدة صور:
– العمل السياسي المشروع:
كالتسجيل والتصويت والترشح والنشاط في العمل المدني بهدف السعي لتقليل الضرر على المسلمين.
فهذا في ذاته مباح، بل قد يكون مطلوبا إذا كان يحقق مصلحة معتبرة.
– التحالف السياسي التكتيكي:
كأن يدعم مرشحًا أقل ضررًا دون تبني أجندته المحرمة، مثل أن تدعم مرشحًا يساريًّا أو ليبراليًّا يدافع عن حقوق الأقليات الدينية مع كونه يدافع عن أمور ينكرها الدين أيضا.
فهذا يدخل في باب ارتكاب أخف الضررين، بشرط عدم الإقرار العلني بالباطل المخالف لتعاليم الدين.
– تبنى أو مناصرة محرم شرعا (مثل دعم تشريعات تخالف القطعيات) ومثل بعض الأمثلة التي وردت في السؤال.
فهنا ننتقل من تقليل ضرر إلى تطبيع منكر.
ولا يجوز تبرير هذا بعبارة خدمة الإسلام لأن خدمة الدين لا تكون بنقض حدوده القطعية.
ولا يجوز نصرة الدين بنصرة ما يخالفه.
والقاعدة المهمة هنا:
نحن نتعامل مع واقع مفروض نحتاط لتقليل ضرر ولا نعيد تعريف الحلال والحرام تحت ضغط الواقع.
ثالثا: تنزيل الأصول على الواقع:
بالنسبة للأصول العامة التي ذكرتها، لا بد لها من تنزيل على وقائع ونوازل معينة:
فمثلا:
– قضية دعم مؤسسات المثليين في مقابل الحصول على دعمهم لقضايا تخص المسلمين:
أما من جهة الإقرار فلا يجوز بحال بل هو كبيرة من الكبائر.
وأما من جهة الاستفادة مما لديهم من لوبيات وقوة تأثير على الأحزاب والسياسيين والإعلام، فلا يمتنع أن نستفيد لقضايا المسلمين من كل دعم غير مشروط.
– قضية العمل في السينما لتحصيل شهرة مؤثرة في المجتمع:
الهدف في ذاته جيد ولكن العمل في السينما فيه محاذير والمسألة ليست في الشهرة فقط بل متعلقة أيضا بطبيعة المحتوى، وطبيعة الأدوار، وطبيعة الرسالة.
ولا شك أن الإعلام أداة مهمة ومؤثرة ومنها السينما لكن الإشكال يقع عندما:
يُجبر الإنسان على تمثيل ما يخالف عقيدته أو يروج لمفاهيم تخالف القطعيات أو يدخل في بيئة تذيب هويته تدريجيا فتتحول الوسيلة إلى غاية، ويبرر ما يقع فيها من مخالفة لدفع مخالفة فنقع في الدور.
كما أن الشهرة بذاتها ليست مقصودًا شرعيًّا، بل قد تكون فتنة والتأثير لا يبرر التنازل العقدي أو الأخلاقي.
وكما ورد عن السيد المسيح (ماذا ينفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه).
رابعا: المكر في القرآن:
المكر في القرآن نسب إلى الله على وجه الجزاء والمقابلة، لا كمنهج بشري مفتوح.
أما أن يتخذ التحايل على الأحكام أو تجاوز النصوص تحت عنوان المكر في سبيل الله، فهذا أقرب إلى فقه الحيل المذمومة منه إلى السياسة الشرعية.
فالسياسة الشرعية تضبطها النصوص القطعية والمقاصد المعتبرة وتقدير المآلات الواقعي لا المتخيل.
خامسا: تأثير نمط التفكير الغربي على الحاكمية:
بالنظر إلى طبيعة فلسفة الحياة في المجتمعات الغربية نجد أنها تحولت إلى عنصرين أساسيين:
• مركزية الإرادة الفردية: وذلك في صورة الحرية المطلقة أو المنفلتة.
• تصور الإنسان كصانع للمعنى بلا قيود مرجعية وذلك بالتخلص من ربقة الأديان والأخلاق والقيم المتوارثة، بل والفلسفات المستقرة.
على حين أن الرؤية الإسلامية قائمة على أصول منها:
• أن الحرية مقيدة بالوحي.
• الهوية ليست مشروعا ذاتيا صرفا.
• النجاح ليس معيارا كافيا للصواب الأخلاقي أو القيمي
والخطر الحقيقي حين تنتقل هذه الفلسفة الغربية التطبيقية إلى المجال الديني فيصير المبدأ:
يمكنك إعادة تعريف الإسلام بما يناسبك أو بما يمليه الواقع. فهنا ننتقل من الاجتهاد إلى التفلت وما نلبث حتى نُوجِد دينًا جديدًا يقوم على مبدأ النفعية والمصلحة المظنونة.
وعلى ذلك:
فليس كل انخراط في بيئة تخالف ما نعتقده حرامًا بالمطلق، وليس كل من دخل السياسة أو الإعلام باع دينه.
ولكن هناك شروط عامة هي:
• ألا تتحول المصلحة المتوهمة إلى ناسخ للقطعيات.
• ألا تتحول الضرورة إلى نمط دائم.
• وألا يعاد تعريف المعروف والمنكر تحت ضغط الثقافة المحيطة.
المفتي: د خالد نصر
