هذا موضوع قديم حديث يكثر السؤال فيه، وسأذكر الإجابة بالتفصيل:
أولا: ما جاء من نصوص القرآن والسنة في التماثيل:
بالنسبة للقرآن وردت كلمة التماثيل:
– في سياق الجدل بين سيدنا إبراهيم وقومه، وقد جاءت في سياق إنكار لأنهم اتخذوها آلهة تعبد من دون الله؛ قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52].
– وجاءت أيضا في سياق تعداد المسخرات التي صنعها الجن لسليمان تسخيرًا من الله تعالى، قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].
وهنا نجد أن السياق سياق ذكر نعمة الله تعالى على عبده سليمان.
قال ابن كثير في تفسيره: (وأما التماثيل فقال عطية العوفي، والضحاك، والسدي: التماثيل: الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج).
وأما بالنسبة إلى السنة فقد ورت أحاديث صحيحة في مسألة التماثيل منها:
– عن عائشة أم المؤمنين أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» [رواه البخاري ومسلم].
– عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون» [رواه البخاري ومسلم].
– عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم» [رواه البخاري ومسلم].
– عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفا إلا سويته). وفي رواية (ولا صورة إلا طمستها) [رواه مسلم].
– عن عائشة قالت: (كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي… الحديث) [رواه البخاري ومسلم].
قال الشوكاني: (قوله: “بالبنات” قال في القاموس: والبناتُ: التماثيل الصغار يُلْعبُ بها).
– وعنها رضي الله عنها قالت: (قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ -أو خيبر- وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّت رِيحٌ فَكَشَفَت نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَن بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَب، فَقَالَ: «مَا هَذا يَا عَائِشَةُ؟» قَالَت: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَه جَنَاحَانِ مِن رِقَاعٍ، فَقَال: «مَا هَذَا الذِي أَرَى وَسطَهن؟» قَالت: فَرَسٌ. قَالَ: «وَمَا هَذا الذي عَليه؟» قَالَت: جَنَاحَانِ، قَالَ: «فَرَسٌ لَه جَناحانِ؟» قَالَت: أَمَا سَمِعتَ أَنَّ لِسُلَيمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَت: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيتُ نَوَاجِذَه) [رواه أبو داود].
هذه هي أهم النصوص التي جاءت فيما يخص التماثيل التي تضاهي ما له روح.
ثانيا: آراء الفقهاء في حكم اتخاذ تماثيل لما له روح من إنسان أو حيوان:
هناك مسائل اتفق عليها الفقهاء وهناك مسائل اختلفوا فيها فيما يتعلق بالتماثيل، ومن ذلك:
– اتفق الفقهاء على أن كل تمثال يتخذ للعبادة أو التقديس فهو محرم سواء كان لإنسان كتماثيل المسيح أو مريم عند أهل المسيحية، أو كان لحيوان كما عند الهنود والبوذيين.
فهذا كله من الشرك إذا كان بقصد العبادة.
وكذلك يحرم اتخاذ التمثال لمشابهة خلق الله، وكذلك التماثيل التي تشمل على حرمة ما يحرم نظيرها في الحقيقة كتمثال امرأة عارية، أو ما يظهر عورة رجل.
– بالمقابل ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التماثيل التي تصنع لعبًا للصغار، لا سيما إن كانت تصنع على هيئة البنات (العرائس) التي تستعملها الإناث كتدريب على رعاية الأطفال بعد ذلك، وجعلوا ذلك استثناء من التحريم والمنع، وذلك بنص حديث عائشة، وإن اختلفوا: هل الجواز يختص بالإناث فقط أو يشمل كل الأطفال ذكورًا وإناثًا.
– ذهب الجمهور من الفقهاء إلى جواز اتخاذ التماثيل التي قطع منها ما لو كان في الحقيقة لم يحيا به المتمثل، وذلك كمن يصنع تمثالا مقطوع الرأس، أو مجوف البطن، أو على هيئة الرأس فقط دون الجسد.
قال ابن قدامة رحمه الله: (وإذا كان في ابتداء التصوير صورة بدن بلا رأس، أو رأس بلا بدن، أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان، لم يدخل في النهي).
وقال ابن عابدين: (وهل مثل ذلك ما لو كانت مثقوبة البطن؟ والظاهر أنه لو كان الثقب كبيرا يظهر به نقصها فنعم وإلا فلا).
أما ما عدا ذلك فقد اختلف الفقهاء إلى عدة آراء:
الأول: يذهب إلى حرمة اتخاذ التماثيل التي تصور ما له روح، وذلك للنصوص الشرعية التي تدل على الحرمة والنكير بلفظها ودلالتها.
وهذا ما عليه المذاهب الأربعة في العموم.
الثاني: يقول بالحرمة المعللة.
وذلك أنهم يقولون بحرمة اتخاذ التماثيل لا بالمطلق ولكن إذا كانت تتخذ لعلة من العلل الواردة في النصوص، وهذه العلل هي:
– عبادة غير الله.
– التعظيم والتقديس وإن كان دون العبادة.
– التشبه بالمشركين.
– مضاهاة خلق الله.
فإن خلت من ذلك فهي على أصل الجواز.
ومن هؤلاء الذين ذهبوا إلى ذلك بعض علماء الشافعية كالإصطخري، ومنهم الإمام محمد عبده من المحدثين.
الثالث: الذي يفرق بين ما هو مكرم وما هو ممتهن بالاستعمال:
فيمنع الأول، ويجيز الثاني.
ذكر ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن الجعد رجل من أهل المدينة قال: حدثتني ابنة سعد أن أباها جاء من فارس بوسائد فيها تماثيل فكنا نبسطها.
ونقل ابن عبد البر عن سالم بن عبد الله أنه رؤي متكئًا على وسادة حمراء فيها تماثيل، فقلت (أي الراوي وهو الليث) له في ذلك. فقال: (إنما يكره هذا لمن ينصبه ويصنعه).
وكذلك ذكر ابن عبد البر في التمهيد أن عروة بن الزبير كان يَتَّكِئُ على المرافق فيها تماثيل الطير والرجال.
وهو ما نقله ابن علية عن ابن سيرين قال: (كانوا لا يرون ما وطئ وبسط من التصاوير مثل الذي نصب).
ثالثا: الذي نراه:
والذي نختاره هو التفريق بين ما كان معلولا وما كان غير معلول:
فمن ينظر في الأدلة من القرآن والسنة يجد أن النعت السلبي للتماثيل كان بسبب اتخاذها آلهة من دون الله، ولذلك سميت (أصنامًا).
ودليلنا على ذلك الآتي:
١- قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: 13].
قال مقاتل: (وتماثيل من نحاس ورخام من الأرض المقدسة وإصطخر من غير أن يعبدها أحد).
وقال يحيى بن سلام: (وتفسير مجاهد أنها تماثيل من نحاس).
وقال الطبري: عن قتادة ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ قال: (من زجاج وشَبَهٍ [نحاس]).
وقال السمرقندي: على صور الرجال من الصفر والنحاس لأجل الهيبة في الحرب وغيره.
وقال مكي بن أبي طالب: وقد قال قوم: عمل الصور جائز بهذه الآية وبما صح عن المسيح عليه السلام.
قال القرطبي معلقًا على كلام مكي: قلت ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله.
وقال الماوردي: فيها قولان: أحدهما أنها كانت طواويس وعقبانًا ونسورًا على كرسيه ودرجات سريره لكي يهاب من شاهدها أن يتقدم، قاله الضحاك.
الثاني: صور الأنبياء الذين كانوا قبله، قاله الفراء.
وقال السمعاني: وقد كان عيسى يصور من الطين وينفخ فيه فيجعله الله طيرًا.
٢- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110]. وهي مرحلة سابقة للنفخ، حيث يستقر المصنوع في صورة الطائر قبل أن ينفخ فيه الروح، فلو كان محرمًا لما جاز له صنعه.
٣- ما جاء في حديث السيدة عائشة من اتخاذها البنات (العرائس) وهي على هيئة المخلوق.
فلو كان التحريم مطلقًا لمنع الكل سواء كان لعلة العبادة أو لغيرها.
٤- ما ثبت من فعل الصحابة عليهم الرحمة والرضوان من ترك التماثيل التي لا تعبد من دون الله دون تدمير أو تغيير، كما وقع في العراق ومصر وغيرهما من البلاد المفتوحة.
ومن ذلك ما ذكره الطبري أن سعدًا لما فتح المدائن صلى فيها صلاة الفتح وحوله تماثيل من الجص لرجال وخيل، ولم يكسرها أو يزيلها.
وكذلك عندما فتحوا مصر وجدوا أعدادًا مهولة من التماثيل، ورأوا أبا الهول كما ينقل السيوطي عن الجاحظ في حسن المحاضرة: (وصنم الهرمين وهو بلهوية ويقال بلهنيت وتسميه العامة أبو الهول، ويقال إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على الجيزة).
وقال ياقوت الحموي: (وعلى ركن أحدهما (يعني الهرمين) صنم كبير يقال له بلهيت. ويقال إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على كورة الجيزة. وهو صورة رأس آدمي ورقبته ورأسا كتفيه كالأسد. وهو عظيم جدًّا. وهو صورة مليحة كأن الصانع فرغ منه عن قرب. وهو مصبوغ بحمرة موجودة إلى الآن مع تطاول المدة وتقدم الأعوام).
فإذا كان عدد الصحابة الذين دخلوا مصر أكثر من ثلاثمائة صحابي ولم يرو عن واحد أنه قام بتكسير تمثال أو طمسه، دل على أنهم فهموا جوازها في هذا المقام.
ويصدق ذلك أن الفاتحين في عهد بني أمية قاموا بتكسير تماثيل عندما فتحوا بلاد السند لأنها كانت ما زالت تعبد من دون الله.
وعلى ذلك:
فكل صورة أو مجسم قصد بصنعه الإشراك بالله أو مشابهة خلقه أو اشتمل على محرم ذاتي كالعورات فهذا محرم من باب سد الذريعة.
وما صنع لغير ذلك من أغراض عامة أو خاصة كتعليم أو تذكير أو تدريب أو غير ذلك فهو جائز والله أعلم.
المفتي: د خالد نصر
أولا: ما جاء من نصوص القرآن والسنة في التماثيل:
بالنسبة للقرآن وردت كلمة التماثيل:
– في سياق الجدل بين سيدنا إبراهيم وقومه، وقد جاءت في سياق إنكار لأنهم اتخذوها آلهة تعبد من دون الله؛ قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52].
– وجاءت أيضا في سياق تعداد المسخرات التي صنعها الجن لسليمان تسخيرًا من الله تعالى، قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].
وهنا نجد أن السياق سياق ذكر نعمة الله تعالى على عبده سليمان.
قال ابن كثير في تفسيره: (وأما التماثيل فقال عطية العوفي، والضحاك، والسدي: التماثيل: الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج).
وأما بالنسبة إلى السنة فقد ورت أحاديث صحيحة في مسألة التماثيل منها:
– عن عائشة أم المؤمنين أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» [رواه البخاري ومسلم].
– عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون» [رواه البخاري ومسلم].
– عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم» [رواه البخاري ومسلم].
– عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرًا مشرفا إلا سويته). وفي رواية (ولا صورة إلا طمستها) [رواه مسلم].
– عن عائشة قالت: (كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي… الحديث) [رواه البخاري ومسلم].
قال الشوكاني: (قوله: “بالبنات” قال في القاموس: والبناتُ: التماثيل الصغار يُلْعبُ بها).
– وعنها رضي الله عنها قالت: (قَدِمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ -أو خيبر- وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّت رِيحٌ فَكَشَفَت نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَن بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَب، فَقَالَ: «مَا هَذا يَا عَائِشَةُ؟» قَالَت: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَه جَنَاحَانِ مِن رِقَاعٍ، فَقَال: «مَا هَذَا الذِي أَرَى وَسطَهن؟» قَالت: فَرَسٌ. قَالَ: «وَمَا هَذا الذي عَليه؟» قَالَت: جَنَاحَانِ، قَالَ: «فَرَسٌ لَه جَناحانِ؟» قَالَت: أَمَا سَمِعتَ أَنَّ لِسُلَيمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَت: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيتُ نَوَاجِذَه) [رواه أبو داود].
هذه هي أهم النصوص التي جاءت فيما يخص التماثيل التي تضاهي ما له روح.
ثانيا: آراء الفقهاء في حكم اتخاذ تماثيل لما له روح من إنسان أو حيوان:
هناك مسائل اتفق عليها الفقهاء وهناك مسائل اختلفوا فيها فيما يتعلق بالتماثيل، ومن ذلك:
– اتفق الفقهاء على أن كل تمثال يتخذ للعبادة أو التقديس فهو محرم سواء كان لإنسان كتماثيل المسيح أو مريم عند أهل المسيحية، أو كان لحيوان كما عند الهنود والبوذيين.
فهذا كله من الشرك إذا كان بقصد العبادة.
وكذلك يحرم اتخاذ التمثال لمشابهة خلق الله، وكذلك التماثيل التي تشمل على حرمة ما يحرم نظيرها في الحقيقة كتمثال امرأة عارية، أو ما يظهر عورة رجل.
– بالمقابل ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التماثيل التي تصنع لعبًا للصغار، لا سيما إن كانت تصنع على هيئة البنات (العرائس) التي تستعملها الإناث كتدريب على رعاية الأطفال بعد ذلك، وجعلوا ذلك استثناء من التحريم والمنع، وذلك بنص حديث عائشة، وإن اختلفوا: هل الجواز يختص بالإناث فقط أو يشمل كل الأطفال ذكورًا وإناثًا.
– ذهب الجمهور من الفقهاء إلى جواز اتخاذ التماثيل التي قطع منها ما لو كان في الحقيقة لم يحيا به المتمثل، وذلك كمن يصنع تمثالا مقطوع الرأس، أو مجوف البطن، أو على هيئة الرأس فقط دون الجسد.
قال ابن قدامة رحمه الله: (وإذا كان في ابتداء التصوير صورة بدن بلا رأس، أو رأس بلا بدن، أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان، لم يدخل في النهي).
وقال ابن عابدين: (وهل مثل ذلك ما لو كانت مثقوبة البطن؟ والظاهر أنه لو كان الثقب كبيرا يظهر به نقصها فنعم وإلا فلا).
أما ما عدا ذلك فقد اختلف الفقهاء إلى عدة آراء:
الأول: يذهب إلى حرمة اتخاذ التماثيل التي تصور ما له روح، وذلك للنصوص الشرعية التي تدل على الحرمة والنكير بلفظها ودلالتها.
وهذا ما عليه المذاهب الأربعة في العموم.
الثاني: يقول بالحرمة المعللة.
وذلك أنهم يقولون بحرمة اتخاذ التماثيل لا بالمطلق ولكن إذا كانت تتخذ لعلة من العلل الواردة في النصوص، وهذه العلل هي:
– عبادة غير الله.
– التعظيم والتقديس وإن كان دون العبادة.
– التشبه بالمشركين.
– مضاهاة خلق الله.
فإن خلت من ذلك فهي على أصل الجواز.
ومن هؤلاء الذين ذهبوا إلى ذلك بعض علماء الشافعية كالإصطخري، ومنهم الإمام محمد عبده من المحدثين.
الثالث: الذي يفرق بين ما هو مكرم وما هو ممتهن بالاستعمال:
فيمنع الأول، ويجيز الثاني.
ذكر ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن الجعد رجل من أهل المدينة قال: حدثتني ابنة سعد أن أباها جاء من فارس بوسائد فيها تماثيل فكنا نبسطها.
ونقل ابن عبد البر عن سالم بن عبد الله أنه رؤي متكئًا على وسادة حمراء فيها تماثيل، فقلت (أي الراوي وهو الليث) له في ذلك. فقال: (إنما يكره هذا لمن ينصبه ويصنعه).
وكذلك ذكر ابن عبد البر في التمهيد أن عروة بن الزبير كان يَتَّكِئُ على المرافق فيها تماثيل الطير والرجال.
وهو ما نقله ابن علية عن ابن سيرين قال: (كانوا لا يرون ما وطئ وبسط من التصاوير مثل الذي نصب).
ثالثا: الذي نراه:
والذي نختاره هو التفريق بين ما كان معلولا وما كان غير معلول:
فمن ينظر في الأدلة من القرآن والسنة يجد أن النعت السلبي للتماثيل كان بسبب اتخاذها آلهة من دون الله، ولذلك سميت (أصنامًا).
ودليلنا على ذلك الآتي:
١- قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: 13].
قال مقاتل: (وتماثيل من نحاس ورخام من الأرض المقدسة وإصطخر من غير أن يعبدها أحد).
وقال يحيى بن سلام: (وتفسير مجاهد أنها تماثيل من نحاس).
وقال الطبري: عن قتادة ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ قال: (من زجاج وشَبَهٍ [نحاس]).
وقال السمرقندي: على صور الرجال من الصفر والنحاس لأجل الهيبة في الحرب وغيره.
وقال مكي بن أبي طالب: وقد قال قوم: عمل الصور جائز بهذه الآية وبما صح عن المسيح عليه السلام.
قال القرطبي معلقًا على كلام مكي: قلت ما حكاه مكي ذكره النحاس قبله.
وقال الماوردي: فيها قولان: أحدهما أنها كانت طواويس وعقبانًا ونسورًا على كرسيه ودرجات سريره لكي يهاب من شاهدها أن يتقدم، قاله الضحاك.
الثاني: صور الأنبياء الذين كانوا قبله، قاله الفراء.
وقال السمعاني: وقد كان عيسى يصور من الطين وينفخ فيه فيجعله الله طيرًا.
٢- قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110]. وهي مرحلة سابقة للنفخ، حيث يستقر المصنوع في صورة الطائر قبل أن ينفخ فيه الروح، فلو كان محرمًا لما جاز له صنعه.
٣- ما جاء في حديث السيدة عائشة من اتخاذها البنات (العرائس) وهي على هيئة المخلوق.
فلو كان التحريم مطلقًا لمنع الكل سواء كان لعلة العبادة أو لغيرها.
٤- ما ثبت من فعل الصحابة عليهم الرحمة والرضوان من ترك التماثيل التي لا تعبد من دون الله دون تدمير أو تغيير، كما وقع في العراق ومصر وغيرهما من البلاد المفتوحة.
ومن ذلك ما ذكره الطبري أن سعدًا لما فتح المدائن صلى فيها صلاة الفتح وحوله تماثيل من الجص لرجال وخيل، ولم يكسرها أو يزيلها.
وكذلك عندما فتحوا مصر وجدوا أعدادًا مهولة من التماثيل، ورأوا أبا الهول كما ينقل السيوطي عن الجاحظ في حسن المحاضرة: (وصنم الهرمين وهو بلهوية ويقال بلهنيت وتسميه العامة أبو الهول، ويقال إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على الجيزة).
وقال ياقوت الحموي: (وعلى ركن أحدهما (يعني الهرمين) صنم كبير يقال له بلهيت. ويقال إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على كورة الجيزة. وهو صورة رأس آدمي ورقبته ورأسا كتفيه كالأسد. وهو عظيم جدًّا. وهو صورة مليحة كأن الصانع فرغ منه عن قرب. وهو مصبوغ بحمرة موجودة إلى الآن مع تطاول المدة وتقدم الأعوام).
فإذا كان عدد الصحابة الذين دخلوا مصر أكثر من ثلاثمائة صحابي ولم يرو عن واحد أنه قام بتكسير تمثال أو طمسه، دل على أنهم فهموا جوازها في هذا المقام.
ويصدق ذلك أن الفاتحين في عهد بني أمية قاموا بتكسير تماثيل عندما فتحوا بلاد السند لأنها كانت ما زالت تعبد من دون الله.
وعلى ذلك:
فكل صورة أو مجسم قصد بصنعه الإشراك بالله أو مشابهة خلقه أو اشتمل على محرم ذاتي كالعورات فهذا محرم من باب سد الذريعة.
وما صنع لغير ذلك من أغراض عامة أو خاصة كتعليم أو تذكير أو تدريب أو غير ذلك فهو جائز والله أعلم.
المفتي: د خالد نصر
