أولا: هذا الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا سعد بن أبي وقاص، قال: (قلتُ: يا رسولَ اللهِ أيُّ النَّاسِ أشدُّ بلاءً ؟ قال: «الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلَى الرَّجلُ على حَسَبِ دِينِه، فإن كان دِينُه صُلبًا اشتدَّ بلاؤُه، وإن كان في دِينِه رِقَّةٌ ابتلاه اللهُ على حَسَبِ دِينِه فما يبرَحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يمشيَ على الأرضِ وما عليه خطيئةٌ».
والحديث رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وابن ماجه، والدارمي.
ثانيا: يتداول الحديث في الخطاب الوعظي الشائع على أنه تقرير مباشر لعلاقة طردية بين شدة التدين وشدة البلاء، حتى صار يُفهم ضمنًا أن كثرة الابتلاء دليل قوة الإيمان، وأن خفته علامة ضعف فيه. غير أن هذا الفهم، على شيوعه، يوقع في إشكالات شرعية وتربوية، ويحمل النص ما لا يدل عليه، ويصطدم بسُنن قرآنية قطعية في باب التكليف والرحمة.
والمفتاح في فهم الحديث ليس كلمة «البلاء» ذاتها، بل عبارة «على حسب دينه»، وما عطف عليها من وصف الدين بالصلابة أو الرقة. فليس من المنضبط لغويًّا ولا شرعيًّا أن يُحمل «الدين» هنا على مجرد مظاهر التديّن أو كثرة العبادة والانضباط الشعائري، لأن هذه المعاني –وإن كانت مطلوبة في ذاتها– لا تستلزم بالضرورة القدرة على الصبر، ولا تمنع الانهيار عند الصدمة، ولا تكشف وحدها عن متانة البنية النفسية والإيمانية للإنسان. وقد يشهد الواقع، بل تشهد النصوص، بوجود من هو شديد التعبد، كثير الطاعة، لكنه هش الاحتمال، سريع الانكسار، متدين على شرط السلامة، لا يطيق الصدمات، ولا يحسن إطاقة الشدة والأذى.
ثالثا: لو فهم الحديث على أن البلاء يقاس بكم العبادة أو ظاهر الصلاح، للزم من ذلك أن يعرض الله تعالى هذا الصنف من الناس لابتلاءات قد تفسده أو تكسره، وهو ما يتنافى صراحة مع أصول قطعية في الشريعة، من مثل قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. فالله سبحانه لا يجرب عباده ليهلكهم، ولا يفتنهم فتنة تفضي إلى فسادهم، بل يدبر شئونهم بحكمة ورحمة وتقدير دقيق.
كما أن هذا الفهم يتناقض مع ما وعد الله به عباده من نصر ورزق وتأييد ومعية إن هم آمنوا وصدقوا. والأقرب دلالة وسياقًا أن يكون المراد بـ«الدين» في الحديث هو قوة البنية الإيمانية الداخلية، وسعة الصدر، والقدرة على الاحتمال والثبات دون انهيار أو اعتراض قلبي.
ويؤيد هذا الفهم أن النبي وصف الدين هنا بالصلابة والرقة، وهما صفتان تتعلقان بالقابلية للتحمل والطاقة البدنية والنفسية، لا بمجرد كثرة العمل أو شدته.
كما أن تقييد الابتلاء بعبارة «على قدر دينه» يدل بوضوح على أن البلاء يعطى بميزان الطاقة والوسع، لا بميزان الاستحقاق الأخلاقي المجرد.
والدليل على ذلك أيضا قوله: «الأنبياء ثم الأمثل..» فكون الأنبياء أشد الناس بلاء، لا لأنهم موضع اختبار لإيمانهم، بل لأنهم أوسع الناس صدرًا، وأصلبهم ثباتًا، وأقدرهم على تحمل الأذى دون أن يتحول ذلك إلى اعتراض أو انكسار داخلي. فكان بلاؤهم تهيئة للمقام، وتحقيقًا لوظيفة الرسالة، لا مقياسًا لرضا الله عنهم، إذ رضا الله عنهم ثابت ابتداء بطبيعة الاختيار للنبوة.
وخلاصة القول: ليس كل متدين صالحًا للابتلاء الشديد، وليس كل من خف بلاؤه ناقص الإيمان.
فالابتلاء ليس مقياس الدين، بل الطاقة التي يتفاوت الناس فيها هي التي تحدد مقدار الابتلاء. وبهذا يستقيم الحديث مع نصوص اليسر، وقاعدة الوسع، ومقصد الرحمة، وحكمة التربية الإلهية.
المفتي: د خالد نصر
والحديث رواه الترمذي وقال: حسن صحيح. وابن ماجه، والدارمي.
ثانيا: يتداول الحديث في الخطاب الوعظي الشائع على أنه تقرير مباشر لعلاقة طردية بين شدة التدين وشدة البلاء، حتى صار يُفهم ضمنًا أن كثرة الابتلاء دليل قوة الإيمان، وأن خفته علامة ضعف فيه. غير أن هذا الفهم، على شيوعه، يوقع في إشكالات شرعية وتربوية، ويحمل النص ما لا يدل عليه، ويصطدم بسُنن قرآنية قطعية في باب التكليف والرحمة.
والمفتاح في فهم الحديث ليس كلمة «البلاء» ذاتها، بل عبارة «على حسب دينه»، وما عطف عليها من وصف الدين بالصلابة أو الرقة. فليس من المنضبط لغويًّا ولا شرعيًّا أن يُحمل «الدين» هنا على مجرد مظاهر التديّن أو كثرة العبادة والانضباط الشعائري، لأن هذه المعاني –وإن كانت مطلوبة في ذاتها– لا تستلزم بالضرورة القدرة على الصبر، ولا تمنع الانهيار عند الصدمة، ولا تكشف وحدها عن متانة البنية النفسية والإيمانية للإنسان. وقد يشهد الواقع، بل تشهد النصوص، بوجود من هو شديد التعبد، كثير الطاعة، لكنه هش الاحتمال، سريع الانكسار، متدين على شرط السلامة، لا يطيق الصدمات، ولا يحسن إطاقة الشدة والأذى.
ثالثا: لو فهم الحديث على أن البلاء يقاس بكم العبادة أو ظاهر الصلاح، للزم من ذلك أن يعرض الله تعالى هذا الصنف من الناس لابتلاءات قد تفسده أو تكسره، وهو ما يتنافى صراحة مع أصول قطعية في الشريعة، من مثل قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. فالله سبحانه لا يجرب عباده ليهلكهم، ولا يفتنهم فتنة تفضي إلى فسادهم، بل يدبر شئونهم بحكمة ورحمة وتقدير دقيق.
كما أن هذا الفهم يتناقض مع ما وعد الله به عباده من نصر ورزق وتأييد ومعية إن هم آمنوا وصدقوا. والأقرب دلالة وسياقًا أن يكون المراد بـ«الدين» في الحديث هو قوة البنية الإيمانية الداخلية، وسعة الصدر، والقدرة على الاحتمال والثبات دون انهيار أو اعتراض قلبي.
ويؤيد هذا الفهم أن النبي وصف الدين هنا بالصلابة والرقة، وهما صفتان تتعلقان بالقابلية للتحمل والطاقة البدنية والنفسية، لا بمجرد كثرة العمل أو شدته.
كما أن تقييد الابتلاء بعبارة «على قدر دينه» يدل بوضوح على أن البلاء يعطى بميزان الطاقة والوسع، لا بميزان الاستحقاق الأخلاقي المجرد.
والدليل على ذلك أيضا قوله: «الأنبياء ثم الأمثل..» فكون الأنبياء أشد الناس بلاء، لا لأنهم موضع اختبار لإيمانهم، بل لأنهم أوسع الناس صدرًا، وأصلبهم ثباتًا، وأقدرهم على تحمل الأذى دون أن يتحول ذلك إلى اعتراض أو انكسار داخلي. فكان بلاؤهم تهيئة للمقام، وتحقيقًا لوظيفة الرسالة، لا مقياسًا لرضا الله عنهم، إذ رضا الله عنهم ثابت ابتداء بطبيعة الاختيار للنبوة.
وخلاصة القول: ليس كل متدين صالحًا للابتلاء الشديد، وليس كل من خف بلاؤه ناقص الإيمان.
فالابتلاء ليس مقياس الدين، بل الطاقة التي يتفاوت الناس فيها هي التي تحدد مقدار الابتلاء. وبهذا يستقيم الحديث مع نصوص اليسر، وقاعدة الوسع، ومقصد الرحمة، وحكمة التربية الإلهية.
المفتي: د خالد نصر
